ابنا آدم وموسى وأخوه

فصَّلت لنا سورةُ المائدة نبأَ سيدِنا موسى وأخيه هارون. فسيدُنا موسى شكى إلى اللهِ تعالى قومَه الذين آذوه وهم يعلمون علمَ اليقين أنه رسولُ اللهِ إليهم. فالقومُ كذبوه وعصوه وبالغوا في عصيانِه وتفننوا في الاجتراءِ عليه فجادلوه وأكثروا من جدالِه حتى بلغ بهم الأمرُ أن جهروا بعصيانِهم لأمرِ اللهِ تعالى لهم بأن يدخلوا الأرضَ المقدسةَ التي كتب لهم: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (20- 24 المائدة).
فما كان من سيدِنا موسى إلا أن دعا اللهَ تعالى: (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين) (من 25 المائدة). وهذه شهادةٌ لسيدِنا هارون من أخيه سيدِنا موسى الذي سبقَ وأن دعا اللهَ تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (29- 35 طه).
ومن عجائبِ القرآنِ التي لا تنقضي أنَّ اللهَ تعالى قد أوردَ في ذاتِ سورةِ المائدة، التي قصَّ علينا فيما تقدَّم من آياتِها الكريمة نبأَ الأخوين سيدِنا موسى وسيدِنا هارون، قصَصَ أخوَين آخرين هما ابنا سيدِنا آدم والتي بيَّنَ لنا فيها ما كان عليه حالُ كلٍّ منهما معه تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ( (27- 30 المائدة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ إيرادَ نبأ ابنَي سيدِنا آدم مباشرةً بعد الآياتِ الكريمة التي فصَّل لنا اللهُ تعالى فيها نبأَ سيدِنا موسى وأخيه سيدِنا هارون، كان مقصوداً حتى يتبيَّنَ لكلِّ مَن يتدبَّرُ هاتين القصتين أنَّ الأمرَ لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بالقرابةِ والانتماءِ العائلي قدرَ ما هو متعلقٌ بحالِ كلِّ امرءٍ مع اللهِ تعالى. ولقد شدَّدَ القرآنُ العظيم على ذلك في مواطنَ منه عديدة. ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ما كان عليه حالُ كلٍّ من سيدِنا إبراهيم وأبيه، وسيدِنا نوح وابنِه وامرأته، وسيدِنا لوط وامرأتِه، وما كان عليه حالُ امرأةِ فرعون التي امتدحها اللهُ تعالى بقولِه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (11 التحريم).

أضف تعليق