
كان سيدُنا موسى سريعَ الغضب شديدَه. ولقد وردَ ما يشيرُ إلى ذلك في قولِ اللهِ تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ. وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (148- 150 الأعراف).
يعينُنا تدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة على تبيُّنِ ما كان سيدُنا موسى عليه من طبعٍ تغلبُ عليه المسارعةُ إلى الغضب مع ما يلزمُ عنه من إقدامٍ على فعلِ ما يضطرُّ المرءَ بعده إلى محاسبةِ النفس والقيامِ بما يوجبُه عليه ذلك. فسيدُنا موسى ألقى بالألواحِ التي كتبَ اللهُ تعالى له فيها من كلِّ شيء، وذلك لما رأى ما آلَ إليه أمرُ قومِه من بعده باتخاذهم العجلَ إلهاً مع اللهِ تعالى. ولم يكتفِ سيدُنا موسى بذلك، إذ جعله غضبُه الشديد على ما قامَ به قومُه يصدرُ إليهم أمراً بأن يقتلَ بعضُهم بعضاً: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) (من 54 البقرة).
ولقد همَّ القومُ بالشروع في قتلِ بعضِهم البعض لولا أنَّ اللهَ تعالى أمرَ سيدَنا موسى أن يُبلِغَهم بأنَّه قد تابَ عليهم وعفا عنهم: (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (52 البقرة).
فالأمرُ بالقتلِ قد صدرَ عن سيدِنا موسى ولم يأمر به اللهُ تعالى، وبذلك فلم يحدث هناك قتلٌ إذ لم يقتل قومُ موسى بعضُهم البعض، وذلك بشهادةِ ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم. وهذه الحقيقةُ تعارضُ ما وردَ في العهدِ القديم من زعمٍ بأنَّ القومَ قتلَ بعضُهم البعض وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتفحُّصِ ما وردِ في الإصحاح 32 من سِفر الخروج:
“عندما صعد موسى إلى جبل سيناء لتلقي ألواح الشريعة من الله، طال غيابه، فطلب بنو إسرائيل من هارون أن يصنع لهم إلهًا، فصنع لهم عجلاً من ذهب وعبدوه. عندما نزل موسى من الجبل ورأى العجل الذهبي والرقص، غضب غضبًا شديدًا. كسر الألواح التي كانت بيده. أحرق العجل الذهبي وطحنه حتى صار غبارًا، وذراه على وجه الماء، وسقى بني إسرائيل منه. ثم قال موسى: “هكذا قال الرب إله إسرائيل: ضعوا كل واحد سيفه على فخذه، ومروا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة، واقتلوا كل واحد أخاه، وكل واحد صاحبه، وكل واحد قريبه.” (سفر الخروج 32:27)
قام بنو لاوي بتنفيذ هذا الأمر، فقتلوا نحو ثلاثة آلاف رجل في ذلك اليوم. قال موسى: “قد كرّستم أيديكم اليوم للرب، حتى كل واحد في ابنه وفي أخيه، ليعطيكم اليوم بركة.” (خروج 32:29)
ثم عاد موسى إلى الرب ليكفّر عن خطيئتهم، وقال: “آه، قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت. أجاب الرب بأنه سيعاقب من أخطأ، وأصاب الشعب وباءٌ بسبب فعلهم”.
وهذا التعارضُ بين ما وردَ في القرآنِ العظيم وما وردَ في العهدِ القديم يكفلُ لنا أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ ما حدثَ فجعلَ قومَ سيدِنا موسى يغضون الطرفَ عن فضلِ اللهِ عليهم ونعمتِه إذ عفا عنهم وتابَ عليهم فنجاهم من شرِّ مقتلة. فالقومُ سارعوا إلى ما دأبوا عليه من ولوغٍ في معصيةِ اللهِ تعالى وعصيانٍ لسيدِنا موسى وإصرارٍ على إيذائه وهم يعلمون أنه رسولُ اللهِ إليهم:
1- (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5 الصف).
