
التاريخُ يصنعُه الإنسانُ الذي تشكِّلُ الأحداثُ التي يتسبَّبُ فيها مادةً تحفظُ أنباءَها كتبُ التاريخ وفقاً لهذه الروايةِ أو تلك. وهي رواياتٌ يفترضُ المؤرخون أنَّ واحدةً منها لابد وأن تكونَ هي الوصفَ الدقيقَ لما حدثَ فعلاً! وعلى افتراضِ أنَّ روايةً بِعينِها من بين هذه الروايات هي الروايةُ الأدقُّ والأصوب، فإنَّ الملاحظَ على وقائعِ التاريخِ وأحداثِه أنها لا تني تكرِّرُ نفسَها في المضمونِ وإن تباينت أشكالُها! وهذا هو ما أدى إلى صياغةِ العبارةِ المتواترة “التاريخُ يعيدُ نفسَه”. وهي عبارةٌ تفترضُ أنَّ للتاريخِ إرادةً مستقلةً عن الإنسان تدفعُ به صوبَ وجهةٍ بِعينِها يضطرُّ معها إلى أن يفعلَ هذا ولا يفعل ذاك! وهذا تصورٌ يفتقرُ إلى الصوابِ والرجحانِ أما وأنَّ الإنسانَ هو مَن يصنعُ التاريخ بوقائعِه وأحداثِه؛ هذه الوقائعُ والأحداث التي لها أن تتجسدَ أفعالاً تارةً، وردودَ أفعالٍ تارةً أخرى.
ولأن الإنسانَ لا يملكُ إلا أن يكونَ إنساناً، فإنَّ وقائعَ التاريخ وأحداثَه لا يمكن لها أن تجيءَ مخالفةً لهذا الذي هو عليه الإنسانُ من إصرارٍ، هو في أغلبِ الأحيانِ غيرُ مدرَكٍ من قِبَلِه، على ألا يصدرَ عنه ما يتعارضُ مع ما جُبِلَ عليه من طباعٍ وخصالٍ لو أنها تخضعُ لسلطانِ العقلِ على الدوام لتوجَّبَ على التاريخِ ألا يكررَ نفسَه! ولكنَّ هذه الوقائعَ والأحداث هي في الغالبِ الأعم صنيعةُ ما تهواه أنفسُ البشرِ وتجنحُ إليه من ميلانٍ وحيود عما يقتضيه المنطقُ وتوجبُه أحكامُ العقل! فكيف لا يعيدُ التاريخُ نفسَه إذا كان الإنسانُ لا يملكُ من الإرادةِ ما هو كفيلٌ بأن يجعلَه يؤثرُ الانصياعَ للعقلِ والمنطقِ عوضَ الانسياقِ وراء ما يُمليه الهوى وتهواه الأنفس؟!
