
نقرأُ في سورةِ الأنعام، وفي الآيتَين الكريمتَين 61- 62 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)
يكفلُ لنا تدبُّرُ هاتين الآيتَين الكريمتَين أن نتبيَّنَ شيئاً من معالمِ الرحلةِ التي يتعينُ على الإنسانِ أن يقطعَها من بعدِ أن تتوفاهُ رسلُ اللهِ الذين وُكِّلوا به، وحتى يصلَ إلى وجهتِه النهائية يومَ البعثِ فيحاسبُه اللهُ تعالى على ما كان منه في حياتِه الدنيا. فالإنسانُ، في حقيقةِ الأمر، لا يملكُ من أمرِه شيئاً؛ إذ جيءَ به إلى هذه الحياةِ الدنيا وقُضِيَ عليه بأن يخوضَ معتركَها إلى أجلٍ مسمى لا مكوثَ له بعده فيها؛ إذ يُصطحَبُ إلى “كتابِ الله” حيث يلبثُ فيه بانتظارِ يومِ البعث: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55- 56 الروم).
والإنسانُ، وفي كلِّ مرحلةٍ من مراحلِ رحلتِه على هذه الأرض منذ ولادتِه وحتى مماتِه، ومن بعد ذلك توفي رسلِ اللهِ له ومكوثِه في “عالَمِ كتابِ الله”، وبعثِه يومَ البعث، لا يملكُ غير أن يوافقَ قدرَه الذي قدَّرَه اللهُ عليه، ومن دون أن تكونَ له أيُّ إرادة في ذلك. فاللهُ تعالى “هو القاهرُ فوقَ عبادِه”، فكيف يكونُ لأيٍّ منهم بعد هذا رأيٌ أو إرادة؟!
