في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ”

نقرأُ في سورةِ الحديد، وفي الآيةِ الكريمة 16 منها، قولَ اللهِ تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
يُعينُ على تبيُّنِ معنى “فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ” في هذه الآيةِ الكريمة أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) (86 طه). فاللهُ تعالى كان قد أمرَ سيدَنا موسى بأن يبلغَ قومَه أنهم إن حفظوا العهدَ معه، فأتمروا بما أمرَهم به وانتهوا عما نهاهم عنه وأقاموا حدودَه ولم يتعدَّوها، فإنه سيأذنُ لهم بأن يدخلوا الأرضَ المقدسةَ التي كتبَ لهم: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين) (21 المائدة). ولكن القومَ لم يرعوا ميثاقَهم مع اللهِ تعالى حقَّ رعايتِه؛ فما أن ذهبَ سيدُنا موسى لميقاتِ ربِّه حتى ارتدوا على أدبارِهم كفاراً مشركين فاسقين، وذلك بأن اتخذوا العجلَ إلهاً مع اللهِ تعالى. فلما رجعَ سيدُنا موسى إليهم، من بعدِ أن أنبأه اللهُ تعالى بما كان منهم بعد مفارقتِه لهم، شرعَ بمحاسبتِهم عسيرَ الحسابِ فابتدأ بسؤالٍ أنكرَ به عليهم قبيحَ فعلِهم، وأثبتَ عليهم أنَّهم قد نكثوا ما عاهدوا اللهَ عليه بإشراكِهم العجلَ به، وبيَّنَ لهم أنَّهم إذ استبطأوا تحقُّقَ وعدِ اللهِ لهم، وأسرُّوا في أنفسِهم وتسارُّوا فيما بينهم أنَّ أمدَ عهدِ اللهِ لهم قد طالَ حتى لكأنه لن يتحقَّقَ أبداً، فإنَّ ذلك قد جعلَ قلوبَهم قاسيةً وبما مهَّدَ السبيلَ ليُضَلُّوا بما ظنوا، فعبدوا مع اللهِ العجلَ الذي صنعوه بأيديهم.
إذاً فقومُ سيدِنا موسى قد رأوا أنَّ أمدَ تحققِ وعدِ اللهِ لهم قد طالَ وأنهم لن يطيقوا بعد ذلك صبراً. وبذلك فقد تعددت جناياتُ القومِ على أنفسِهم سوءَ ظنٍّ باللهِ تعالى، وتشكيكاً في وعدِه وعهدِه، وتكذيباً لرسولِ اللهِ تعالى إليهم، وإصراراً على تجسيدِ ذلك كلِّه بصناعتِهم لعجلٍ جسدٍ لا حياةَ فيه لم يروا أيَّ بدٍّ من أن يركعوا ويسجدوا له، وهم الذين شهدوا بأمِّ أعينِهم من آياتِ اللهِ تعالى ما لم يتأتَّ لأحدٍ غيرِهم. وحالُ القومِ هذا هو الذي جعلَهم يزيغون فأزاغَ اللهُ تعالى قلوبَهم: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5 الصف).

أضف تعليق