لماذا يصرُّ علماءُ الاجتماع على الإساءةِ إلى علمِ الاجتماع؟!

يقتضي المنهجُ العِلمي من كلِّ مَن آلَ على نفسِه إلا أن يلتزمَ به ويعملَ بموجبِه أن يُلزمَ نفسَه بجملةٍ من الأخلاقيات توجِبُ عليه أن يُنحِّيَ جانباً كلَّ ما لا علاقةَ له بموضوعِ بحثِه، حتى وإن تطلبَ الأمرُ أن يخلصَ إلى نتائجَ تتعارضُ بالتمامِ والكلية مع ما اتَّخذه مسلكاً وشرعةً ومنهاجاً ومعتقداً فردياً كان أم مجتمعياً. ويصرُّ السوادُ الأعظمُ من علماءِ الاجتماع، على سبيلِ المثال، على الزعمِ بأنهم قد اتبعوا “المنهجَ العلمي” بحذافيرِه حين زعموا بأنَّ الإنسانَ، وهو بعدُ في مستهلِّ رحلتِه الدينية، كان مشركاً معدداً للآلهةِ، وذلك قبل أن ينتهيَ به الأمرُ بعد آلافٍ من السنين إلى التوحيد! ولو كان هؤلاء علماءَ وفقاً  لما يقضي به المنهجُ العِلمي، لما خلصوا إلى هذا الزعمِ الذي ما كان لهم أن ينتهوا إليه لولا أنهم قد افترضوا دونما وجهِ حق، وبما يتعارضُ مع مقتضياتِ المنهجِ العلمي، أن ليس هناك من توصيفٍ آخر لرحلةِ الإنسانِ الدينيةِ هذه يقتضي منا القولَ بأنه قد كان موحداً قبل أن ينتهيَ به الأمرُ إلى الإشراكِ وعبادةِ آلهةٍ متعددة! فإذا كانت هذه الطائفةُ من علماءِ الاجتماع قد اختارت لرحلةِ الإنسانِ الدينية أن تبتدئَ بالإشراكِ وتنتهيَ بالتوحيد، فإنهم بذلك قد برهنوا على “انحيازٍ معرفي” يتعارضُ مع متطلباتِ “المنهجِ العلمي” الذي يوجبُ على كلِّ مَن ألزمَ نفسَه باتِّباعِه ألا يغلِّبَ إحدى هاتين المقاربتَين على الأخرى! إنَّ الزعمَ بأنَّ رحلةَ الإنسانِ الدينيةَ قد ابتدأت بالإشراكِ وانتهت بالتوحيد ينطوي على زعمٍ مفادُه أن ليس هنالك من إلهٍ هو مَن علَّمَ الإنسانَ التوحيد، وأنَّ الإنسانَ هو مَن ضلَّ بعد ذلك السبيلَ حتى انتهى به الأمرُ إلى الإشراكِ وعبادةِ آلهةٍ متعددة. وزعمٌ كهذا يتعارضُ مع ما يقتضيه “المنهجُ العِلمي” الذي لا يجوِّزُ لمن ألزمَ نفسَه باتِّباعِه أن يُثبتَ أو ينكرَ وجودَ إلهٍ لا يملكُ العِلمُ أيَّ برهانٍ على وجودِه أو انتفاءِ وجودِه.

أضف تعليق