“وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ”

لماذا كلُّ هذا التهويلِ من توقفِ أمريكا ترمب عن تمويلِ المنظماتِ الدولية ومنها منظمةُ الصحةِ العالمية؟ أليس بمقدورِ دولٍ أخرى فاحشةِ الثراء أن تعوضَ هذا النقص؟ أم أنه الشحُّ الذي عادةً ما يلازمُ الأغنياءَ ملازمةَ الظلِّ للأشياءِ في رابعةِ النهار؟!
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذه الأسئلةِ جميعاً أن نتدبرَ ما أجمعت عليه كتبُ التأريخ التي وثقت لهكذا سلوكياتٍ تشي بما تشتملُ عليه النفسُ البشريةُ من تناقضاتٍ تضطرُّ المرءَ إلى الإحجامِ عن مدِّ يدِ العون إلى أولئك الذين هم بأمسِّ الحاجةِ إليه معللاً لسلوكِه المُشينِ هذا بأنَّ آخرين غيرَه لابد وأن يكونوا قد سبقوه إلى الإحاطةِ بهذا الأمر، وأنَّهم لابد وأن يكونوا قد شرعوا في العملِ على توفيرِ ما يكفي هؤلاء المحتاجين بأفضلَ مما بوسعِه القيامُ به!
صحيحٌ أنَّ الولاياتِ المتحدة، ومن خلالِ مشروع مارشال، قد أنقذت سكانَ برلين الغربية من الحصارِ الذي فرضَه عليهم ستالين، وصحيحٌ أيضاً أنَّ يدَ مشروعِ مارشال هذا كان لها أبلغُ الأثرِ في إعادةِ بناء أوروبا ما بعد الحربِ العالميةِ الثانية، إلا أنَّ هذا لا يُلزِمُ أمريكا أن تبقى على الدوام الممولَ الرئيس لكلِّ جهدٍ إنساني عالمي، وذلك كما يطالبُها به الكثيرون!
وصحيحٌ أيضاً أنَّ فرنسا وحدها، أو ألمانيا وحدها، أو إيطاليا وحدها، لن يكونَ بمقدورِها أن تحلَّ محلَّ أمريكا في الإنفاقِ على هذه المنظمات، إلا أنَّ بإمكان هذه الدولِ الثلاث أن تشكِّلَ تحالفاً، سمِّه ما شئت، يتكفلُ بذلك! فهذه الدولُ قد سبقَ لها وأن قامت بتشكيلِ تحالفٍ بينها كفلَ للحكومةِ الأوكرانية أن تحصلَ بموجبِه على عشراتِ الملياراتِ من الدولارات لتمويلِ حربِها مع روسيا! أم أنَّ الحربَ تجدُ لها على الدوامِ مَن يتكفلُ بتمويلِها، وذلك بالمقارنةِ مع السلمِ الذي لا يجدُ مَن يموِّلُه؟!

أضف تعليق