
أين تتجلى شجاعةُ الإنسان… في مصارعةِ الثيران أم في مصارعةِ النيران؟
حداثيونا مهووسون بالغرب، منبهرون بحضارتِه، مأخوذون بقِيَمِه، وإلى الحدِّ الذي جعلَ واحدَهم لا يرى غضاضةً في النظرِ إلى العالَمِ ومجرياتِه بعيونٍ غربية لا ترى عند الآخرين، ممن هُم ليسوا أمثالَ أهلِ الغرب تنشأةً وتطوراً، شيئاً يُذكَر! فالإنسانُ العربي عند حداثيينا لا يزالُ “إنسانَ ما قبلَ الحداثة”، وهو لذلك لن يتمكَّنَ من اللحاقِ بركبِ الحضارةِ المعاصرة، وبما يجعلُه قادراً على أن يرفدَها بشيءٍ ذي بال حتى يتخلَّى عن كلِّ ما يحولُ دونَ انطلاقتِه الحضارية من قيودٍ كبَّلَه بها حرصُه على تقديسِ هذه القيودِ وتوقيرِها.
ويبدو أن حداثيينا قد فاتهم أن يتبيَّنوا أنَّ هنالك بَوناً شاسعاً يفصلُ بين قِيَمِ الغربِ وبين ممارساتِ أهلِه! فإذا كانت قِيَمُ الغربِ محمودةً لما تنطوي عليه من توقيرٍ لمفاهيمَ لا تملكُ أيُّ حضارةٍ رفاهيةَ الإعراضِ عنها ومناكفتِها، فهل بإمكانِنا أن نقولَ الشيءَ ذاتَه عن السوادِ الأعظمِ من أهلِه الذين هم في حقيقةِ الأمرِ لا يختلفون عن غيرِهم من شعوبِ العالَم في شيءٍ إلا بمقدارِ حرصِهم على إظهارِ ما يتوافقُ مع ما تواضعت عليه مجتمعاتُهم من تعريفٍ للسلوكِ الحضاري؛ هذا السلوكُ الذي سرعان ما يتلاشى ويتبدد ما أن تستجدَّ ظروفٌ قاهرةٌ تكفلُ لهم حريةَ التصرفِ دونما مراعاةٍ لوجوبِ أن يجيءَ سلوكُ واحدِهم متفقاً مع القيمِ الغربية، وذلك كما يحدثُ في أوقاتِ الأوبئةِ والحروبِ وغيرِها من الأزماتِ المصيرية.
فهل يفاخرُ حداثيونا حقاً بِقِيَمِ أهلِ الغرب التي يعيبون علينا عجزَنا عن التمثلِ بها والانصياعِ لما تُوجِبُه على كلِّ مَن أرادَ أن يكونَ حداثياً مثلهم؟! ولماذا يتوجبُ علينا أن نشاركَ أهلَ الغربِ قِيَمَهم فنطبلَ كما يطبلون، ونزمرَ كما يزمرون، ونتراقصَ كما يتراقصون؟! وهل يتوجبُ علينا، حتى نكون حداثيين مثل حداثيينا، أن نفعلَ كما يفعلُ الإسبان، وغيرُهم من شعوبِ الغربِ التي تستحسنُ ما يفعلون، فننتشيَ ونطربَ لمرأى الثيرانِ وهي تُقتَّلُ بأبشعِ صورةٍ في حلبةِ مصارعةِ الثيران، فنشاركَ الجموعَ من غوغاءٍ ودهماء، ورعاعٍ وسقطِ المتاع، هذا الابتهاجَ المُسِفَّ بتطايرِ دماءِ هذه الحيواناتِ البريئة؟
ألا تعساً لكلِّ مَن لا يقولُ الحقَّ فيقرُّ بأنه ما لبسَ لباسَ أهلِ الغربِ إلا رغبةً منه في التشبُّهِ بهم ظناً منه وتوهماً أنه سيصبحُ واحداً منهم أما وأنه خرجَ على مِلَّتِه واتَّبعَ مِلتَهم! وأختمُ بأن أذكِّرَ حداثيينا بألا مجالَ هنالك للمفاضلةِ بين القِيَمِ الجديدة التي يريدوننا أن نتخلَّقَ بها، وقيمِنا التي يكفي أن نتذكرَ واحدةً منها استقاها آباؤنا من حديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: ” دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأرْضِ”.
