
كثيرًا ما نلحظ بين بعض مثقفينا وكتّابنا انبهارًا شبه مطلق بالحضارة الغربية، إلى الحد الذي يدفعهم لتبني رؤيتها للإنسان والمجتمع دون نقد أو تمحيص. فيُنظر إلى القيم الغربية بوصفها النموذج الأرقى، بل وربما الوحيد، للحضارة والتقدم، ويُقارن الإنسان العربي بها دائمًا بمقاييس قد لا تكون منصفة أو منسجمة مع سياقه التاريخي والثقافي.
لكن، أليس من الضروري أن نتساءل: هل قيم الغرب، مهما بدت راقية في ظاهرها، تُمارس دائمًا في الواقع بنفس النزاهة التي تُعرض بها نظريًا؟ أم أن هناك فجوة واضحة بين المبادئ والتطبيق؟ فنحن نرى، في أوقات الأزمات الكبرى كالحروب والأوبئة، تراجعًا لافتًا في تلك القيم التي طالما تم التفاخر بها، ويظهر الوجه الآخر الذي يشبه إلى حد بعيد سلوكيات المجتمعات الأخرى التي تُتهم بالتخلف أو بالقصور الأخلاقي.
هذا يدفعنا إلى طرح سؤال أكثر جوهرية: هل الحداثة تعني بالضرورة استنساخ النموذج الغربي، بكل ما فيه من سلوكيات ومظاهر؟ أم أن الحداثة الحقيقية تكمن في امتلاك القدرة على التمييز، والانتقاء الواعي، والمساءلة النقدية لأي منظومة قيمية، أياً كان مصدرها؟
إن مشاهد كمصارعة الثيران، التي تُقدم في بعض المجتمعات الغربية على أنها تراث ثقافي أو رياضة شعبية، تثير تساؤلات أخلاقية عميقة: هل يُمكن لمجتمع يتغنّى بحقوق الإنسان ورفق الحيوان أن يُبرر قتل حيوان أعزل، من أجل المتعة أو الفرجة؟ أليس في ذلك نوع من التناقض بين الخطاب والممارسة؟
ولا يعني هذا رفض كل ما يأتي من الغرب، أو الدفاع الأعمى عن واقعنا، بل دعوة إلى التوازن والوعي. فثقافتنا، هي الأخرى، لا تخلو من مبادئ إنسانية رفيعة، تستحق أن تُستعاد وتُفعل في واقعنا. يكفي أن نتذكر الحديث النبوي الشريف: “دخلت امرأة النار في هرة، حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”، لندرك أن الرحمة، التي تُعد من أعمدة الأخلاق، متجذّرة في تراثنا.
باختصار، ليست القضية في تبني قيم الآخرين أو رفضها، بل في أن نمارس وعينا في التعامل معها، وأن نُبقي على أصالة رؤيتنا الأخلاقية، دون أن نغلق أبواب الحوار أو نفتحها بلا شروط.
