
هل هنالك ما يبرر هذا التعلقَ المرَضي والهوسَ الجنوني بلعبةِ كرة القدم؟ وهل نجرأ على أن نقولَ الحق في هذه المسألة ولا نحاولَ أن نختلقَ الأعذارَ لنبررَ لهذا الافتتانِ بلعبةٍ لا ينجمُ عنها إلا إذكاءُ نيرانِ العصبية لهذا الفريقِ أو ذاك، والرغبةُ في الفوز مهما كان الثمن؟
أسئلةٌ ينبغي أن نواجهها بصراحة لا مجاملة فيها.
الحقيقةُ أن الهوسَ الجماهيري بكرةِ القدم تجاوزَ منذ زمنٍ حدودَ الرياضة إلى ما يشبه الوثنيةَ المعاصرة، حيث يُعبَد الفريقُ كما تُعبد الآلهة، ويُقدَّسُ اللاعبُ كما يُقدَّسُ البطلُ الأسطوري، ويُضحَّى من أجلِه بالمال والوقت وحتى المبادئ. وهذا التعلقُ لا يمكنُ للعقلِ السليمِ أن يبررَه، خاصة حين نرى نتائجَه في تعصبٍ أعمى، وعنفٍ جماهيري، وتحيزٍ إعلامي، وصرفٍ مجتمعي للطاقةِ والانتباه نحو ما لا يُنتِج شيئًا حقيقيًا غير وهمِ الانتصار.
إن الإنسانَ، من الناحيةِ النفسية، يميلُ إلى الانتماءِ والهويةِ الجماعية؛ وكرةُ القدم تقدمُ له هذه الهويةَ بشكلٍ بدائي مباشر: نحن ضدهم. هذه الثنائيةُ تثيرُ العواطف، وتحفز إفرازَ الأدرينالين، وتملأ فراغاتٍ داخلية.
ولكن يحقُّ لنا أن نسأل: هل هذا النوع من “الانتصار” هو انتصارٌ حقيقي؟ وهل يستحقُ أن نكونَ قناعاتِنا الأخلاقية بالإستنادِ إليه؟ وهل يُعقل أن تُستثمرَ طاقاتُ ملايين البشر من أجلِ لعبة، بينما تُهمَل قضايا مصيرية تخصهم هم أنفسهم؟
إن الهوس بكرةِ القدم هو نوعٌ من الهروب الجمعي من مواجهةِ الذات، ويغذيه الإعلام والشركات لأنه مربحٌ جدًا. ليست المشكلةُ في اللعبةِ نفسِها، بل في تحولها إلى دينٍ بديل. وهنا يكمن الخطرُ الحقيقي.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ إنسانَ هذا العصر لا يختلفُ عن إنسانِ غيرِه من العصور الخالية، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بكونِه إنساناً تتحكمُ فيه نفسُه التي أُحضِرَت ما فصَّله وبيَّنه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من خصالٍ وصفات لا سبيلَ له ليبرأَ منها إلا بأن يتَّبعَ صراطَ اللهِ المستقيم، وذلك بألا يدعَ لنفسِه ما يمكِّنُها من الاستمرارِ في إحكامِ سيطرتِها عليه ودوامِ تحكُّمِها به، فيشرعَ من فورِه بالتديُّنِ الحق بِدينِ اللهِ الحق وبما يكفلُ له أن يصبحَ هو السيدَ الآمر فلا يعودُ بمقدورها بعد ذلك أن تحيدَ به عن جادةِ الحق. إنَّ الوثنيةَ المعاصرة داءٌ عضال لا ينفعُ معه خطابٌ أو مقال؛ كيف لا وهذا الداءُ قد استشرى في النفسِ البشريةِ منذ آمادٍ من الزمانِ وأحقابٍ لا يعلمُها إلا الله؟! فالإنسانُ لن يتحرَّرَ من تحكمِ نفسِه فيه وإحكامِ سيطرتِها عليه إلا بأن يقسرَها على ما تكره ويضطرَّها إلى ما لا تحب، وذلك بأن يتَّقيَ اللهَ حقَّ تقاتِه فلا يدعَ لنفسِه ما يتيحُ لها إبقاءه أسيراً لها وعبداً يأتمرُ بأمرِها وينتهي بنَهيِها.
