
يكفلُ القرآنُ لمتدبِّرِه أن يتبيَّنَ واحدةً من حقائقِه التي لا ينفعُ معها غيرُ أن نُقِرَّ بها وإن كانت تخالفُ ما ألفناه من قواعدَ لغوية توهمنا أنها صالحةٌ للتعاملِ مع أيِّ نصٍّ مكتوبٍ بلسانٍ عربي. ولقد جرَّ علينا هذا الإصرارُ على تحكيمِ هذه القواعِد في النصِّ القرآنيِّ الشريف ما انتهى بنا إلى إخفاقٍ في تبيُّنِ المعنى الذي تنطوي عليه كلماتٌ قرآنيةٌ كثيرة. ومن ذلك كلمةُ “الحكمة” التي شاعَ فينا وذاعَ ظنٌّ بشأنِها مفادُه أنها تنطوي على ذات المعنى حيثما وردت في القرآنِ العظيم.
فلقد وردت كلمةُ “الحكمة” في بعضِ المواطنِ القرآنيةِ الجليلة بمعنىً لا علاقةَ له بمعناها القاموسي. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (129 البقرة).
2- (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (151 البقرة).
3- (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) (من 231 البقرة).
4- (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (من 113 النساء).
فـ “الكتابُ” هنا هو القرآن، و”الحكمةُ” هي ما علَّمَه اللهُ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من عباداتٍ تكفلُ لكلِّ مَن يُتقِنُ أداءها أن تكونَ له الغلبةُ على نفسِه وهواها فلا يعودُ بمقدورِها بعد ذلك أن تديمَ تحكُّمَها فيه. فاللهُ تعالى علَّمَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم الحكمةَ، كما علَّمَه القرآن، وذلك لكي يعلِّمَ بدورِه الذين آمنوا ما يحتاجُه الواحدُ منهم من فقهٍ في دينِه ليصبحَ من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، الذين لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة.
