أنبياءُ اللهِ بشرٌ.. ولكن! سيدُنا يوسف مثالاً

ينبئُنا القرآنُ العظيم بأن الذين كفروا من الأممِ الخالية كانوا يجادلون أنبياءهم متذرعين بحجةٍ مفادُها أنهم “بشرٌ مثلُهم”. فكفارُ الأممِ السابقة كانوا يظنون أنَّ بشريةَ الأنبياءِ تنفي عنهم إمكانيةَ أن يكونَ لهم ما يتمايزون به عنهم. وهذا ظنٌّ قد فنَّده أنبياءُ اللهِ تعالى بحجةٍ آتاهم اللهُ إياها على أقوامِهم. ولقد حفظ لنا القرآنُ العظيم مفادَ هذه الحجةِ في قولِه تعالى: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (من 11 إبراهيم). فالأنبياءُ إذاً كانوا بشراً ولكن التدخلَ المباشرَ للهِ تعالى في حياتِهم جعلَها تتخذُ كيفيةً تعجزُ عقولُنا عن التعليلِ لها بما نعرفُ من قوانينِ الوجود.
لنأخذ على سبيلِ المثال جانباً من سيرةِ سيدِنا يوسف يكفلُ لمتدبِّرِه أن يتبيَّنَ لطيفَ تدخلِ اللهِ تعالى في حياتِه بكيفيةٍ لا ينفعُ معها أن نستعينَ بمنطقِ عقولِنا لنتبيَّنَ العلةَ من وراءِ عجيبِ أحداثِها وغريبِ مجرياتِها. فسيدُنا يوسف هو ابنُ سيدِنا يعقوب، والذي هو ابنُ سيدِنا إسحق، والذي هو ابنُ سيدِنا إبراهيم الذي أنبأنا القرآنُ العظيم بأنه دعا اللهَ تعالى لذريتِه بأن يجعلَ أفئدةً من الناسِ تهوي إليهم: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (من 37 إبراهيم).
فكيف نعللُ إذاً لما كان يكنُّه إخوةُ سيدِنا يوسف لأخيهم من مشاعرَ جعلتهم يعقدون العزمَ على التخلصِ منه ولو اقتضى الأمرُ أن يقتلوه؟: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ( (8- 9 يوسف). وكيف نعللُ أيضاً لتلك المحبةِ التي كان العزيزُ يكنُّها لسيدِنا يوسف والتي بوسعِنا أن نتبيَّنَها بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (من 21 يوسف)؛ هذه المحبةُ التي تجلت في إحجامِه عن إلحاقِ أي أذىً بسيدنا يوسف من بعدِ ما افترته عليه امرأتُه؟!
إنَّ الإجابةَ عن هذين السؤالين تكمنُ في هذا الذي وصفَه قولُ اللهِ تعالى على لسانِ أنبيائه: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ). فلقد منَّ اللهُ تعالى على سيدِنا يوسف إذ لم يتدخل تدخلاً مباشراً يحولُ دون أن يَمضيَ إخوتُه في تنفيذِ مخططِهم الرامي إلى قتلِه، وذلك بأن يُمضيَ أمرَ استجابتِه دعاءَ سيدِنا إبراهيم فيجعلَ قلوبَ إخوته تهوي إليه محبةً من اللهِ لا يعترضُها عارضٌ يزينُه الشيطانُ أو يدفعُ به الهوى. ولكن اللهَ اللطيفَ لما يشاء كان يريدُ لمكيدةِ إخوةِ سيدِنا يوسف أن تنجحَ ليقضي أمراً كان مفعولا، فيأخذُه العزيزُ ويتمهدُ بذلك السبيلُ أمام سيدِنا يوسف ليصلَ بعدها إلى قصرِه ليصبحَ ساعدَه الأيمن.
ولقد كان لتلك المحبةِ التي دعا سيدُنا إبراهيم اللهَ تعالى أن يُلقيَها على ذريتِه، فيجعلَ أفئدةً من الناسِ تهوي إليهم مودةً ورحمة، ما جعلَ العزيزَ يأمرُ امرأتَه بأن تكرمَ مثوى سيدِنا يوسف: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ (من 21 يوسف)، وألا يستمعَ إليها إذ حرضته عليه بقولِها: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (من 25 يوسف).
فسبحان الله الذي اختصَّ أنبياءه بعظيمِ منتِه فجعلَ حياتَهم مرآةً لعظيمِ قدرتِه وتبياناً لواسعِ رحمتِه.

أضف تعليق