
حفظ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم قولَه لسيدِنا موسى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (37- 39 طه).
ولقد ذكَّرَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى، كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم من آياتٍ كريمة، بعظيمِ منَّتِه عليه إذ أوحى إلى أمه أن تقذفَه في التابوتِ فتقذفَه في اليَم. فكلُّ ما كان على أمِّ سيدِنا موسى أن تفعلَه هو أن تفوضَ أمرَها إلى الله وتصدِّقَ ما وعدها به من أنه رادُّ ابنِها إليها. ولقد تكفلَ اللهُ تعالى بحفظِ سيدِنا موسى بدءاً من اللحظةِ التي سلَّمته فيها أمه إليه. فاعتباراً من تلك اللحظة شرعت الأحداثُ تتخذُ لها وجهةً أخرى ما كانت لتكونَ وجهتَها لولا أنَّ اللهَ تعالى تدخلَ تدخلاً مباشراً في مسارِها؛ فاليَمُّ ما كان ليُلقيَ بالتابوتِ الذي فيه سيدُنا موسى إلى الساحلِ لولا أنَّ اللهَ تعالى هو مَن أمرَه بأن يفعلَ ذلك، وإلا فإنَّ اليمَّ كان ليحملَ ذلك التابوت صوبَ وجهتِه التي سبقَ وأن حددتها القوانينُ ذاتُ الصلة التي بثَّها اللهُ تعالى في الوجود من قبلِ أن تُخلقَ الأرضُ ومَن عليها.
ولم يكُف اللهُ تعالى عن تدخلِه المباشر في سيرِ الأحداث، وذلك لئلا يصيبَ سيدَنا موسى أيُّ مكروه، فكان أن ألقى على سيدِنا موسى محبةً منه جعلت فرعونَ الطاغية يرقُّ قلبُه لهذا الرضيع، ولتبدأَ من بعدها حكايةُ سيدِنا موسى في قصرِ الطاغية، والتي هي في حقيقتِها تظافرٌ لجمهرةٍ غفيرةٍ من أحداثٍ ما كان لها أن تتشكلَ لولا أنَّ اللهَ صاغَ مادتَها بتدخلاتٍ من لدنه مباشرة تجلت أيما تجلٍّ بقولِه تعالى لسيدِنا موسى (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).
وإذا ما تقيدنا بما ينطوي عليه عنوانُ هذا المنشور من قدريِّ المعاني، فسوف يتبيَّنُ لنا، ومن بعدِ المقارنةِ بين ما كان من أمرِ أمِّ سيدِنا موسى، وبين ما كان من أمرِ اليَم، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بما جُبِلَ عليه كلٌّ منهما، فسوف يتبيَّنُ لنا أنَّ ما قامت به أمُّ سيدِنا موسى هو أمرٌ مخالفٌ لكلِّ ما نعرفُه عن الأم من تعلقٍ بطفلِها، وبما لا يستقيمُ مع ما قامت به من إلقائه في يمٍّ عباب كنهرِ النيل، لولا أنها كانت على شيءٍ من إيمانٍ صادقٍ باللهِ تعالى جعلَها أهلاً لأن يربطَ اللهُ تعالى على قلبِها لتكونَ من المؤمنين المصدقين بوعدِ الله: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين) (10 القصص). وهو تدخلٌ من لدنِ اللهِ تعالى مباشرٌ يذكرُنا به تدخلٌ إلهيٌّ مباشرٌ آخر تجلى فيما تقدم بيانُه من حملِ اللهِ تعالى لليم على أن يخالفَ عن أمرِ قوانينِ الطبيعة التي خلقَها بها، وذلك ليمتثلَ لأمرِ اللهِ فيُغيرَ وجهتَه صوبَ ساحلِ قصرِ فرعون الطاغية.
فسبحان اللهِ الذي إذا أرادَ شيئاً فإنما يقولُ له “كن فيكون”.
