
ما الذي يجعلُ الإنسانَ ميالاً إلى تعدِّي حدودِ الله؟ ولماذا لا يرضى الإنسانُ بما قسمَه اللهُ له؟ وما الذي يجعلُه يجدُ في كلِّ ما يتعارضُ مع “قسمةِ الله” له أمراً لابد له منه؟ ولماذا يسخَّرُ العلمُ للترويجِ لهذا الجنوحِ عن “الطيبِ الإلهي” والميلِ لكلِّ ما هو شاذٌّ وغيرُ سَوي؟
يُعينُ على الإجابةِ عن هذه الأسئلةِ أن نستذكرَ ونتدبَّرَ بعضاً مما وصفَ اللهُ به الإنسانَ في قرآنِه العظيم:
1- (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 سورة الأحزاب).
2- (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى( (6- 7 العلق).
3- (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (من 61 البقرة).
4- (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (من 100 المائدة).
5- (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (37 الأنفال).
وخيرُ مثالٍ على طغيانِ كثيرٍ من أهلِ الغرب هو هذا الذي خرجَ به علينا نفرٌ منهم استعانوا بشيءٍ من العِلمِ على أن يُجوِّزوا لفئةٍ ضالةٍ من بَني آدم مرادَها أن تختارَ جنساً آخرَ هو غيرَ ذاك الذي ولِدوا به! وحجتُهم في ذلك مفادُها أنَّ الجنسَ الحقيقيَّ للإنسان هو ليس ما تخبرُه به أعضاؤه ذاتِ الصلة، ولكنه ما تُنبئُه به أحاسيسُه ومشاعرُه ورغباتُه! أليس في هذا تجاسرٌ على قوانينِ الطبيعة التي ليس من العسيرِ تبيُّنُ أي القوتَين جعلت لها الغلبةَ على الأخرى؟ فقوةُ التناسلِ، بغيةَ نشرِ أفرادِ النوع على أكبرِ مساحةٍ ممكنة، هي أقدمُ بمئاتِ ملايينِ السنين من أيِّ قوةٍ قد يُظَنُّ أنَّ مشاعرَ الإنسانِ ورغباتِه تنطوي عليها. فمشاعرُ الإنسانِ ورغباتُه مُحدَثةٌ، وذلك لأنها تتعارضُ مع ما تنزعُ إليه الطبيعةُ من توقٍ إلى نشرِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من أفرادِ النوع. فالطبيعةُ ليس فيها مشاعرٌ أو أحاسيسٌ أو رغبات، طالما كانت هذه تتعارضُ مع الهدفِ الأسمى للطبيعة ألا وهو بقاءُ الأنواعِ وانتشارُها.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ تغليبَ مشاعرِ الإنسانِ وأحاسيسِه ورغباتِه على ما استغرقَ الطبيعةَ مئاتِ الملايين من السنين حتى ترسِّخَه في البُنيةِ العميقةِ للكائن الحي، إنما هو ضربٌ من الإصرارِ على مناكفةِ القوانينِ التي بثَّها اللهُ في الطبيعة استعلاءً وغروراً وتكبراً! ولذلك فليس هناك في قولِ الزاعمين بأنَّ “الإنسانَ أجناسٌ ثلاث” أيُّ قدرٍ من الصوابِ والصحة.
