
من أوجُهِ إخفاقِ المقارباتِ التقليدية للنصوصِ القرآنيةِ الكريمة ما انتهى إليه أصحابُ هذه المقاربات من إغفالٍ، بالتمامِ والكلية، للحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادها أنَّ حقيقةَ الكائنِ البشري ليس بالإمكانِ تحديدُها بهذا النمطِ أو ذاك من الأنماطِ التي تتجلى بها وفقاً لهذا السياقِ الاجتماعي أو ذاك. فعلى سبيلِ المثال، فإنَّ تصرفاً اجتماعياً ما للمرأةِ في القرآنِ العظيم لا ينبغي أن نستبطَ منه شيئاً نتوهمُ معه أنه يمثلُ حقيقتَها البشرية إنساناً خلقه اللهُ تعالى فسواه أنثى! فالمرأةُ قد تضطرُّ لأن تتصرفَ تصرفاً ما، تحت ضغطٍ اجتماعيٍّ ما، وليس بسببٍ من كونِها قد خُلِقت إمرأة! ولذلك فإنَّ المقاربةَ الأصوبَ للنصوصِ القرآنيةِ ذاتِ الصلة بالمرأة هي تلك التي تكفلُ لنا أن نتبيَّنَ أياً من هذه التصرفات يعودُ إلى ما مورسَ عليها من ضغوطٍ اجتماعية، وأياً منها موصولٌ بما جُبِلت عليه بسببٍ من خلقتِها امرأة.
ولنأخذ على سبيلِ المثال قولَ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 282 البقرة: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى). فقولُ اللهِ تعالى هذا يُجلِّي لنا حقيقةَ الأمرِ وبما لا يدعُ مجالاً للتنطعِ بأنَّ الأمرَ موصولٌ بكونِ “النساءِ ناقصات عقلٍ ودين”! فالأمرُ لا يعودُ إلى ما جُبِلَت عليه المرأةُ إذ خُلقت امرأة، وذلك كما يذهب إليه كثيرٌ من الناس! فتدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى هذا يبيِّنُ لنا حقيقةَ الأمر إذ يُرجِعُه إلى السياقِ الاجتماعي آنذاك، والذي لم يتِح للمرأة أن يرتقيَ عقلُها وبما يجعلُ بمقدورِها أن تكونَ حادةَ الملاحظة حفيظةً عليمةً لا تنسى ما يعرضُ لها من أمرٍ غيرِ موصولٍ بما درجت على التعاملِ معه في حياتِها اليومية. ولقد كشفت لنا الأيامُ أنَّ هذا السياقَ الاجتماعي إذا ما تغيرَ، وبكيفيةٍ تتيحُ للمرأةِ أن ترتقيَ بعقلِها إلى مصافٍ تتمكنُ معها من الإحاطةِ بما يتجاوزُ واقعَها اليومي المُعاش، فإنها قادرةٌ على أن تُظهِرَ من البراعةِ في الحفظِ والتعاملِ الذكي المحترِف مع الأرقامِ ما لا يقوى عليه كثيرٌ من الرجال!
ولقد بيَّنَ لنا قولُ اللهِ تعالى هذا الأمرَ، وبما يكفلُ لنا ألا نسمعَ لهؤلاء الذين لا يريدون أن يصدِّقوا أنَّ اللهَ تعالى عادلٌ لا يفرقُ بين أحدٍ من خلقِه في أمرٍ ذي صلةٍ بما هو محاسبُهم عليه يومَ القيامة. فيكفينا أن نستذكرَ ونتدبَّرَ هذا القولَ بمزيدٍ من التمهلِ والتروي حتى نوقِنَ بأنَّ الأمرَ لا علاقةَ له بخِلقةِ المرأة: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى). فالمرأةُ في ذاك الزمان لم تكن مؤهلةً للتعاملِ مع ما تحسنُ المرأةُ التعاملَ معه في زمانِنا هذا.
