علةٌ واحدة أَم أسبابٌ متعددة… أصلُ المشكلةِ الإنسانية

يكفلُ الالتزامُ بالمنهجِ العِلمي لكلِّ مَن عقدَ العزمَ على الالتزامِ به أن يتحررَ من أسرِ فوضى الظواهرِ التي يرومُ البحثَ فيها عن قوانينِها التي هي السببُ من وراءِ حدوثِها. فلولا هذا الالتزامُ لبقيَ الإنسانُ أسيرَ فوضى العالَم، ولَما تحرر منها، ولَما تأتى له أن يخطوَ خطوةً واحدةً على الطريقِ المفضي إلى تبيُّنِ ما قُيِّضَ للبشرِ أن يحيطوا به من حقيقةِ هذا العالَم. فحقيقةُ العالَم كامنةٌ من وراءِ فوضى ظواهرِه ومظاهرِه. والوصولُ إلى هذه الحقيقةِ يقتضي من الباحثِ عنها وجوبَ أن يُنحِّيَ جانباً كلَّ ما ليس له علاقةٌ بموضوعِ بحثِه من آراءٍ مسبقة، وقوالبَ فكريةٍ جاهزة، ونظرياتٍ أرادَ صائغوها أن يُحكِّموها في العالَمِ دونما وجهِ حق. فلولا هذا الالتزامُ بالمنهجِ العِلمي الصارمِ الرصين، لما تأتى لأفرادٍ أفذاذٍ قلائل أن يتبيَّنوا من حقائقِ الوجودِ ما صدمَ السوادَ الأعظمَ من البشر صدمةً معرفيةً لن يفيقوا منها أبداً!
ومن حقائقِ الوجودِ هذه حقيقةُ الأصلِ البشري، وحقيقةُ الأصلِ المادي للوجود، وحقيقةُ كونِ القوى الفيزيائيةِ التي تتحكَّمُ في هذا الوجودِ هي تنويعاتٍ لقوىً أربع فحسب، وغيرُ ذلك من الحقائقِ الصادمة. وكلُّ حقيقةٍ من هذه الحقائق ما كان للعقلِ البشري أن يحيطَ بها لولا التزامُه بالمنهجِ العِلمي وما حتَّمه عليه من ضرورةِ اعتمادِ مقاربةٍ اختزاليةٍ (reductionist) تبدِّدُ سحائبَ فوضى الظواهرِ والمظاهر ودخانَها، ليتجلى بعدها الأصلُ الذي ما أعجزَ الإنسانَ عن تبيُّنِه إلا افتتانُه بهذه الفوضى وتلذُّذُه بهذا الدخان!
ونسجاً على ذاتِ المنوال، فإنَّ التزامَنا بالمنهجِ العلمي الصارمِ الرصين هو وسيلتُنا الوحيدةُ حتى نتبيَّنَ الأصلَ الذي يكمنُ من وراءِ هذا الطيفِ الذي يتعذرُ علينا إحصاءُ ألوانِه من تنويعاتِ المشكلةِ التي يعاني منها الإنسانُ جراءَ خِلقتِه إنساناً (The human condition). فالنفسُ التي تعينَ على الإنسان أن يُبتلى بها هي الأصلُ من وراءِ كلِّ تجلٍّ من تجلياتِ المشكلةِ التي تحتَّمَ عليه أن يعانيَ جراءها. وهذه النفسُ هي ليست كياناً ميتافيزيقياً مفارقاً لكيانِ الإنسانِ المادي، ولا هي كينونةً افتراضية يُعينُنا القولُ بها على المضي قدُماً في التأسيسِ لمقاربةٍ سايكولوجيةٍ له تمكِّنُ الطبيبَ النفسي (The psychologist) والمحلِّلَ النفسي (The psychiatrist) من تقديمِ ما يُظنُّ أنه التوصيفُ العِلمي لهذا الاعتلالِ النفسيِّ أو ذاك! فالنفسُ التي هي أصلُ المشكلةِ الإنسانيةِ بتنويعاتِها كلِّها جميعاً هي التي وصفَها القرآنُ بقولِه: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء)، (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (من 52 يوسف)، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (40- 41 النجم).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ أصلَ المشكلةِ الإنسانية لا يعودُ إلى أسبابٍ متعددة قدرما هو موصولٌ بعلةٍ واحدة هي نفسُ الإنسانِ التي لم يُقدَّر لنا، وحتى هذه اللحظة، أن نتبيَّنَ لها تعيناً (تحيزاً) في دماغِه. غير أنَّ هذا لا يلزمُ عنه ما يفيدُ بأننا لن نتمكَّنَ يوماً ما من تبيُّنِ تعيُّنَها (تحيُّزَها) هذا في الدماغِ البشري. فما يُدرينا لعل الغدَ يأتينا إن شاء الله بما يتيحُ لنا ذلك، أما وأننا قد عقدنا العزمَ على أن نغذَّ السيرَ على طريقِ المقاربةِ النانوية لجسمِ الإنسان، وهي مقاربةٌ وإن كانت واعدةً للغاية، فإنها تبشِّرُ بمقارباتٍ أكثرَ قدرةً على أن تضربَ عميقاً في الكيانِ المادي للإنسان، وبما يؤمِّلُ بأن يخرجَ علينا يوماً قريباً إن شاء الله فريقٌ من العلماء يزفُّ لنا نبأَ تمكُّنِنا من استمكانِ تواجدِ هذه النفس داخلَ الدماغِ البشري.

أضف تعليق