
لا يملكُ الناظرُ في عالَمِ الطبيعة غيرَ أن ينبهرَ بما يسودُه من تناغمٍ وانسجامٍ بين مفرداتِه يتجليان في انتفاءِ وجودِ أيِّ أثرٍ للفسادِ والطغيان، وذلك بالمقارنةِ مع عالَمِ البشر الذي قوامُه الفسادُ والطغيان فلو أنَّ شيئاً من طغيانِ البشرِ وفسادِهم تسرَّبَ، بصورةٍ ما، إلى عالَمِ الطبيعة لَما كان ليبقى متماسكاً ولأصبحَ ركاماً وأثراً بعد عين! ويخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ في عالَمِ الطبيعةِ طغياناً وفساداً كما في عالَمِ الإنسان، وذلك بشهادةٍ مما يسودُه من تقاتلٍ بين كائناتِه التي يقتلُ قويُّها ضعيفَها دون شفقةٍ أو رحمة! فلو أنَّ الأمرَ في عالَمِ الطبيعةِ كان كذلك، لما بقِيَ فيه لضعيفِ الحيوانِ أيُّ تواجدٍ في ظلِّ تغوُّلِ وتوحُّشِ قويِّه!
فما الذي يتمايزُ به عالَمُ الطبيعةِ عن عالَمِ البشرِ حتى ينتفِيَ أيُّ تواجدٍ فيه لِما يسودُ عالَمَ البشرِ من فسادٍ وطغيان؟ أوَلا يقودُنا هذا التدبُّرُ إلى وجوبِ القولِ بأنَّ تمايزَ هذين العالَمين دليلٌ على أنَّ العلةَ من وراءِ ذلك تعودُ إلى أنَّ الإنسانَ عاجزٌ عن أن يتناغمَ مع غيرِه من بَني جِلدتِه تناغماً كان لينعكسَ على عالَمِه توافقاً مع ذاتِ القوانينِ التي جعل انقيادُ الحيوانِ لها يتجلى على عالَمِ الطبيعة وبما لا يجعلُ للفسادِ والطغيانِ أيَّ تواجدٍ فيه.
إنَّ عجزَ الإنسانِ عن إقامةِ العدل في عالَمِه، وبما يكفلُ للضعيفِ المظلومِ أن يحصلَ على حقِّه من الذي ظلمَه، لَيضطرُّنا إلى وجوبِ الإقرارِ بأنَّ الذي شيَّدَ عالَمَ الطبيعة، وجعلَه مبرءاً من الظلمِ والطغيان، لَهو قادرٌ على أن يشيِّدَ عالَماً للإنسانِ لا ظلمَ فيه ولا طغيان. وهذا العالَمُ لا ينبغي أن يخدَعنا الأملُ بأنَّ الإنسانَ قادرٌ على أن يُقيمَه طالما استحالَ على بَني آدمَ أن يتعايشوا فيه بكاملِ الانصياعِ لقوانينِه التي لن يفارقَ الفسادُ والطغيانُ أرجاءَه إلا بإطاعتِهم لها. ولذلك فلا حلَّ هنالك لمشكلةِ استشراءِ الظلمِ في عالَمِ الإنسان مادام البشرُ غيرَ راغبين في الإقرارِ بأنهم هم أُسُّ الداءِ وأصلُ المشكلةِ التي يعانون منها! ولذلك أيضاً كان الحلُّ الوحيدُ المتبقي هو بأن نصدِّقَ السرديةَ التي شرعَ الدينُ يقصُّها علينا منذ آلافِ السنين، والتي تنصُّ على أنَّ هنالك يوماً قادماً لاريب فيه هو يومُ القيامة حيث سيبعثُ اللهُ الناسَ من موتِهم ليحاسبَهم على ما كان منهم في دنياهم؛ فالذين اتَّبعوا هُدى الله، كما بيَّنه للناسِ أنبياؤه المُرسَلون، سيحظون بعالَمٍ لا ظلمَ فيه. وأما الذين أعرضوا عن هَدي الله، فلن يكونَ هنالك غيرُ جهنم ليقيموا فيها أبدَ الآبدين (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (17 غافر).
