هل يُشترَطُ بأرجحِ الناسِ عقلاً أن يكونَ أتقاهم طُراً؟

رجاحةُ العقلِ نعمةٌ من نِعَمِ اللهِ تعالى ليس كلُّ مَن أوتيها يقدِرُها حقَّ قدرِها بالضرورة. فكثيرٌ من الناسِ يظنون أنَّ ما يرفلون فيه من فضلِ اللهِ ونعمائه هو من المسلَّمات التي لا تقتضي من واحدِهم أن يكونَ شاكراً للهِ أنعُمَه هذه، وبما يوجِبُ عليه أن يؤديَ حقَّها دوامَ تذكُّرٍ لله، واستمساكاً بعروتِه الوثقى، وإكثاراً من صالحِ الأعمالِ والتي منها أن يؤتِيَ الفقراءَ والمساكينَ والأراملَ والأيتامَ ومَن انقطعت بهم السبُل بعضاً من مالِ الله الذي أوتيه. ولذلك فإنَّ رجاحةَ العقلِ، كما يرى البعض، هي ليست مدعاةً للمبالغةِ في التعبُّدِ لله، وبما يحتِّمُ وجوبَ أن يتَّقِيَ اللهَ مَن تمايزَ عن غيرِه بهذه النعمة حقَّ تُقاتِه، وذلك بأن يُتقِنَ عبادتَه وعلى الوجهِ الذي فصَّلَه اللهُ تعالى في قرآنِه. فكم من امرءٍ ذي عقلٍ راجحٍ ليس لتقوى اللهِ حقَّ تقاتِه من ظهورٍ في حياتِه؟ وكم من امرءٍ يشهدُ له الجميعُ برجاحةِ العقلِ ورصانةِ الفكرِ وحصافةِ الرأي وهو لا يرى فيما يراه الآخرون فيه ما يستدعي منه أن يُلزِمَ نفسَه بألا تتعدى حدودَ اللهِ وألا يفرِّطَ في جنبِه؟!
إنَّ القولَ بأنَّ رجاحةَ العقلِ تحتِّمُ على كلِّ مَن أوتيها أن يكونَ مؤمناً باللهِ واليومِ الآخر، مسارعاً إلى الإكثارِ من صالحاتِ الأعمال، هو قولٌ قد فاتَ صاحبَه أن يدركَ أنَّ الإنسانَ ليس مجرد عقل، وأنَّه في حقيقةِ الأمرِ كينونةٌ تتنازعُها قوىً لا يمثلُ العقلُ منها إلا جزءاً يسيراً فحسب.

أضف تعليق