
يعتمدُ كثيرٌ من أدعياءِ العِلم على ظنونِهم وأهوائهم في الحكمِ على كلِّ ما يعرضُ لهم، أو يُطرَحُ عليهم من أفكارٍ وآراء، وذلك دونما تمحيصٍ أو تبيُّنٍ أو تدقيق. ومن ذلك الجزمُ بأنَّ هذا الرأيَ أو ذاك هو من الحقائقِ التي لا يجوِّزون لأحدٍ أن يطالبَهم بإيرادِ الدليلِ عليها. ومن ذلك أيضاً الإصرارُ على أنَّ العلةَ من وراءِ حدوثِ ظاهرةٍ ما هي ما أوردوه من علة، وأنَّ التشكيكَ في ماهيةِ هذه العلةِ هو ضربٌ من الجهلِ بحقائقِ الأمور.
وخيرُ مثالٍ على تمكُّنِ الجهلِ من هكذا عقولٍ أنَّ نفراً من المكذبين بنبوةِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، وبإلهيةِ القرآنِ العظيم، قد خرجوا على الناسِ بما ظنوا وتوهموا أنه كفيلٌ بإقامةِ الحجةِ على ما يزعمون. فالقومُ يزعمون أن العربَ قبلَ مجيءِ الإسلام لم يكونوا يعرفون من أصنافِ الفاكهةِ إلا النزرَ اليسير، وأنَّ ذلك هو ما اجتذبهم إلى ما وعدهم به كتابُ الإسلامِ من أنهم سيُدخَلون جناتٍ تجري من تحتِها الأنهار فيها أصنافٌ من فاكهةٍ شتى. وهذا الزعمُ يشي بما يعتورُ القائلين به من جهلٍ بما كان عليه حالُ قريش قبل الإسلام. فأهلُ قريش كانوا يعرفون عدداً كبيراً من أصنافِ الفاكهةِ؛ كيف لا وهُم أهلُ مكةَ الذين قال فيهم القرآنُ: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) (57 القصص).
كما وأنَّ مدينةَ “الطائف” لم تكن عن مكةَ بالبلدِ البعيد حتى يغيبَ عنهم ما فيها من كلِّ زوجٍ من الفاكهة كريمٍ. ويعززُ هذا الطرحَ ما كان أهلُ قريش قد اعتادوا على القيامِ به من رحلةٍ إلى بلادِ الشام وأخرى إلى بلادِ اليمن: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (سورة قريش). فكيف غابَ ذلك عن المشككين بنبوةِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وبإلهيةِ القرآنِ العظيم؟! أم كيف غابَ عنهم ما كانت قوافلُ التجارةِ مع الحبشةِ تأتي أهلَ مكةَ به من عجيبِ فاكهةِ أفريقيا، ولم يكن يفصلُ بين العربِ وأهلِ الحبشةِ إلا البحرُ الأحمر؟
إنَّ إصدارَ الأحكامِ دونما تبيُّنٍ ولا دليل هو أمرٌ لا يُقدمُ عليه إلا مَن أسلمَ لِهواه قيادَ عقلِه، فكان بالتالي أبعدَ الناسِ عن المنطقِ القويم والتفكيرِ السليم.
