لماذا لا يستطيعُ الإنسانُ وحدَه أن يصبحَ ذا قلبٍ سليم وإن كان ذا عقلٍ سليم؟

أولُ شرطٍ حتى يصبحَ الإنسانُ ذا عقلٍ سليم هو أن يكونَ ذا جسمٍ سليم. فمعافاةُ العقل من معافاةِ الجسم. ولن يتمكَّنَ الإنسانُ من أن يصبحَ مؤهلاً ليحظى بعقلٍ سليم إلا من بعدِ أن يفعلَ ما بوسعِه حتى يكونَ ذا جسمٍ سليم. وتتطلبُ الخطوةُ التالية حتى يصبحَ الإنسانُ ذا عقلٍ سليم أن يتعهدَ عقلَه بتربيةٍ فكريةٍ منهجيةٍ صارمة لا تدَعُ مجالاً ليتسربَ منه ما يعملُ على أن يجنحَ به إلى تفكيرٍ سقيمٍ ومنطقٍ معوجٍّ غيرِ قويم.
وكلُّ هذا ليس بمقدورِه أن يكفلَ للإنسانِ أن يحظى بقلبٍ سليمٍ من مداخلاتِ النفسِ وتدخلاتِ الهوى بالإضلالِ والإغواءِ والتزيين. فالعقلُ وإن كان سليمَ البُنيةِ معافى، مبرءاً من كلِّ شائبةٍ من شوائبِ التفكيرِ السقيم، فإنه يبقى أسيرَ الواقعِ الذي شكَّلَ بوقائعِه وظواهرِه وأحداثِه مادةَ تفكيره. وهذا كلُّه ليس بمقدورِه أن يزوِّدَ الإنسانَ بما يكفلُ له أن يتصدى لنفسِه ويجاهدَ هواه، ناهيك عن أن يمكِّنَه من أن يطوِّعَ كلاً منهما فلا يجعلَ لهما ما يحولُ دون أن يتمكنَ من تبيُّنِ معالمِ السبيلِ إلى قلبٍ سليمٍ من همزاتِهما ونزغاتِهما. فالنفسُ وإن كانت ماديةَ التكوين، فإنَّ مادةَ العقل، الذي شكَّلته مظاهرُ الوجودِ وظواهرُه، ليست بقادرةٍ على أن تتفاعلَ مع مادةٍ تفوقُها صغراً وبما ليس بالإمكانِ قياسُه بما بين أيدينا من معاييرَ ومقاييس.
ولذلك كان صراطُ اللهِ المستقيم هو وحدَه القادرُ على أن يُعينَ مادةَ العقلِ السليم على التعاملِ مع مادةِ النفسِ فائقةِ الصغر، وذلك بما يشتملُ عليه هذا الصراطُ من عباداتٍ جعلَ اللهُ تعالى فيها من لطيفِ دوائه وخفي علاجِه ما هو كفيلٌ بإعانةِ الإنسانِ على نفسِه وبتمكينِه منها، وبما يجعلُه يفلحُ في تطويعِها لتصبحَ بعدها طائعةً مطيعةً، في خطوةٍ تؤمِّنُ له أن يحظى بقلبٍ سليم.

أضف تعليق