
وصفَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم صراطَه المستقيم وصفاً فصَّلته وبيَّنته آياتٌ كريمةٌ عديدة. ولقد جعلَ اللهُ تعالى لصراطِه المستقيم علاماتٍ لا يُخطئُها كلُّ مَن عذَّبَه عجزُه عن قهرِ نفسِه وما أُحضِرته وما جُبِلَت عليه. فكلُّ مَن كان له باعٌ طويلٌ في المعاناةِ جراءَ هذا العجز لن يطولَ به الأمرُ حتى يتبيَّنَ أنَّه ليس بمقدورِه أن يستبينَ الطريقةَ المثلى التي تُمكِّنُه من التحرُّرِ من هذه النفس والانعتاقِ من غلبةِ هواها. ولذلك فإنه لن يلبثَ كثيراً حتى يستيقنَ ألا سبيلَ أمامَه سوى أن يلتجئَ إلى اللهِ تعالى يسألَه أن يهديَه هذا الصراطَ المستقيم. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ سورةِ الفاتحة والآيةِ الكريمةِ 6 منها على وجهِ التحديد: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
ولقد بيَّنَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم ما يقتضيه اتِّباعُ صراطِه المستقيم من تمسُّكٍ بشِرعتِه ومنهاجِه وعروتِه الوثقى التي لا انفصامَ لها. فاتِّباعُ صراطِ اللهِ المستقيم يتطلَّبُ من المرء أن يرتقيَ بإرادتِه وبما يمكِّنُها من أن تعينَه على ألا يتعدى حدودَ الله، وذلك بأن يتزوَّدَ بخيرِ الزادِ التقوى، وأن يعملَ جاهداً على توطينِ هذه التقوى في قلبِه، وذلك بأن يتَّقِيَ اللهَ حقَّ تقاتِه. وكلُّ ذلك مكفولٌ للمرءِ إذا ما تبيَّنَ ما يُوجِبُه عليه اتِّباعُه صراطِ اللهِ المستقيم من استقامةٍ لا ينفعُ معها حيودٌ عن هَديِ الله. فالنفسُ التي ابتُلِيَ الإنسانُ بها ليس باليسيرِ إخضاعُها وتطويعُها أما وأنها لا تمجُّ شيئاً قدرَ ما تطالبُها به الاستقامةُ إلى الله من سلوكياتٍ تعفُّها وتأنفُها جِبلةً وخِلقة. ولذلك سمَّى اللهُ تعالى صراطَه بـ “الصراط المستقيم”، ووصفَ هَديَه بـ “الهَدي المستقيم”، وجعل دينَه “الدينَ القيِّم” الذي لا استقامةَ على الطريقِ إلا باتِّباعِه والتقيُّدِ بشرعتِه ومنهاجِه. ولقد بيَّنَ اللهُ تعالى هذا الأمرَ إذ أمرَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين) (161 الأنعام).
وهذا “الدينُ القِيَمُ” هو “الدينُ القيِّمُ” الذي تشيرُ إليه الآيةُ الكريمة: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) (43 الروم).
وهذا “الدينُ القيِّمُ” هو “دينُ القِيَمة” الذي أنزلَ اللهُ تعالى كتبَه القيِّمة لتبيِّنَ للناسِ ما اشتملت عليه شِرعتُه ومنهاجُه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (1- 3 البينة)، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (5 البيِّنة).
والدينُ القيِّمُ بعدُ هو الدينُ الذي يكفلُ لكلِّ مَن يتِّبعُ شِرعتَه ومنهاجَه أن يسلكَ طريقاً مستقيماً لا عِوجَ فيه؛ كيف لا وهو الدينُ الذي أنزلَه اللهُ تعالى وكفَّلَه كلَّ ما يُعينُ المتديِّنَ به على أن يكونَ طريقُه هو الطريقَ المستقيم الهادي الذي يشتملُ على هَدي الله المستقيم:
1- (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (من 213 البقرة).
2- (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (30 الأحقاف).
لقد أمرَ اللهُ تعالى الناسَ أجمعين بوجوبِ اتباعِ صراطِه المستقيم، فأنزلَ دينَه القيِّمَ ليبيِّنَ لهم ما يقتضيه منهم ذلك: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153 الأنعام).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى يوجِّهُ أنظارَنا وأفهامَنا إلى التفكُّرِ في العلاقةِ القائمةِ بين الصراطِ المستقيم، والطريقِ المستقيم، والهَدي المستقيم، والدينِ القيِّم، والدين القِيَم، وكتبِه القيِّمة، وإلى تدبُّرِ ما يربطُ بين هذه الكلمات التي تتشاركُ كلُّها جميعاً ذاتَ الجذرِ اللغوي (ق، و، م)، وبين ما كان عليه الإنسانُ يومَ خلقَه اللهُ تعالى أولَ مرة إنساناً “في أحسنِ تقويم”: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 التين). فطريقُ العودةِ إلى ما كنا عليه من خِلقةِ “أحسنِ تقويم” إذاً قائمٌ على أساسٍ من اتِّباعِ صراطِ اللهِ المستقيم كما فصَّله لنا وبيَّنه “ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ”: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (سورة التين).
