
برهنت الحربُ الروسيةُ- الأوكرانية على أنَّ أوروبا غيرُ راغبةٍ في التخلُّصِ من تعلُّقِها المرَضي بماضيها الاستعماري، وأنها لا تريدُ أن تتحرَّرَ من أسرِ هوَسِها التاريخي بالانتقامِ من روسيا، حتى وإن انتهى الأمرُ بالعالَمِ إلى حربٍ عالميةٍ ثالثة! ولا أدلَّ على ذلك من هذا الحرصِ المستميت من جانبِ قادةِ أوروبا الغربية على إفشالِ أيِّ مسعىً لوضعِ نهايةٍ لهذه الحربِ التي لا يبدو على الإطلاق أنَّ هنالك ما يُنبئُ بإمكانيةِ تحقُّقِ الأحلامِ الأوروبية بإلحاقِ هزيمةٍ استراتيجيةٍ- تاريخية بالاتحادِ الروسي. فلولا تدخلاتِ هؤلاءِ القادةِ المهووسين بأحلامِ الثأرِ والانتقام لكانت هذه الحربُ قد انتهت منذ أمدٍ بعيد. فإصرارُ هؤلاءِ على مَدِّ أوكرانيا بالسلاحِ والعتاد، وبضخِّ عشرات المليارات من الدولارات لتمويلِ آلةِ الحرب الأوكرانية، هو الذي جعلَ هذه الحربَ لا تكادُ تُرى لها نهاية على المديَين المنظورِ والبعيد. ولقد تجلى هذا التدخلُ الأوروبي السَّمِج في الشأنِ الروسي- الأوكراني أيما تجلٍّ بعدما تولى السلطةَ في أمريكا الرئيس ترمب الذي سعى جاهداً لوضعِ حدٍّ لهذه الحربِ المجنونة، والتي كان قد تعهد بإنهائِها ما أن يعودَ إلى البيتِ الأبيض مرةً أخرى.
إنَّ إصرارِ قادةِ أوروبا الغربية على الزجِّ باقتصاداتِ شعوبِهم، ومستقبلِ أبنائهم، في حربٍ عبثيةٍ، لَيحتِّمُ على كلِّ مَن كان له شيءٌ من عقلٍ سليم وبعضٌ من تفكيرٍ قويم أن يُسمِّيَ الأشياءَ بمسمَياتِها، وألا يألوَ جهداً في النأيِ بنفسِه وبشعبِه إن كان مسؤولاً عنه بعيداً عن هؤلاءِ السائرين إلى حتفِهم التاريخي. ولذلك فلا مناصَ أمامَ الرئيس ترمب من أن يعملَ بكلِّ ما أُوتيه من قوةٍ على الانفصالِ عن ركبِ هؤلاءِ القادة الذين أبوا إلا أن يغادروا التاريخَ مهزومين صاغرين. فإذا كان الرئيسُ ترمب يريدُ حقاً أن يكونَ عهدُه بدايةَ مستقبلٍ ذهبي لأمريكا، فإنَّ أولَ ما يتوجبُ عليه القيامُ به هو إشهارُ هذا الانفصال وقطعُ كلِّ وشيجةٍ تربطُه بهؤلاءِ القادةِ الفاشلين الذين لا يُحسنون شيئاً غير إذكاءِ نيرانِ الأحقاد وتعظيمِ كلِّ ما يُفرِّقُ بين الشعوبِ عوضَ العملِ الدؤوب على التعاونِ والتكافلِ والتآخي فيما بينها.
