
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّه ليس بالأمرِ العسيرِ أن يختلفَ الناسُ فيما بينهم، وأن لا يُحكِّموا أهواءهم وما جُبِلوا عليه في هذا الذي اختلفوا فيه. ويفنِّدُ هذا الظنَّ ويدحضُه أن نستذكرَ الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ الإنسانَ عاجزٌ عن التعاملِ بحياديةٍ وموضوعية مع ما يعرضُ له مادام عقلُه ليس هو المتحكمَ الوحيد بقراراتِه وأحكامِه. ولا أدلَّ على ذلك من التماهي الذي يفترضُه الإنسانُ بينه وبين الحقيقة، وذلك كما يتجلى في تعظيمِ الرجالِ على النساء إن كان هو رجلاً، أو الزعمِ بأن العِرقَ الفلاني هو أحسنُ الأعراق أما وأنه العِرقُ الذي ينتمي هو إليه، أو القولِ بأن لغةً بِعينِها هي أعظمُ اللغات وأصلُها ومستقبلُها، لا لشيءٍ إلا لأنها لغتُه الأُم التي شاءت له الأقدارُ أن تكونَ أولَ لغةٍ ينطقُ هو بها. وهذه نخبةٌ من الأمثلةِ التي تُعينُ المتدبرَ في حالِ الإنسان على تبيُّنِ مدى صعوبةِ الفصلِ بين بحثِ الإنسانِ عن الحقيقة وبين اعتبارِه هذا التعريفَ أو ذاك هو تعريفُها الحق أما وأنه موصولٌ به جنساً أو عِرقاً أو لغةً.
وبالعودةِ إلى عنوانِ هذا المقال، فإنه لمن العجبِ العجاب ذيوعُ “التنابزِ باللغات” بين رواد مواقع التواصلِ الاجتماعي، الذين شرع كثيرٌ منهم في الخوضِ فيما لا علمَ لهم به بهذا الزعمِ من جانبِهم أنَّ هذه اللغةَ أو تلك هي أعظمُ اللغاتِ وأقدمُها أما وأنها لغتُهم هم.
فمتى يدركُ هؤلاء أنَّ البحثَ عن الحقيقة يقتضي من كلِّ من يتصدى له أن يتجردَ عن كلِّ ما يجعلُه يؤثِرُ الانحيازَ لعِرقِه وجنسِه ولغتِه وطبقتِه وما إلى ذلك.
