وأعطى اللهُ النحلَ خَلقَه ثم هدى

وصفت سورةُ طه علاقةَ اللهِ تعالى بمخلوقاتِه، وذلك في سياقِ المحادثةِ التي جرت بين هارون وموسى من جهة وفرعون الطاغية من جهةٍ أخرى: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (49- 50 طه).
فاللهُ تعالى أعطى كلَّ شيءٍ خلْقَه، ولولا هذا العطاءُ الرباني ما كان لشيءٍ أن يكون. غيرَ أنَّ علاقةَ اللهِ تعالى بمخلوقاتِه لم تنقطع بهذا العطاء، وذلك كما توهم بعضٌ من فلاسفةِ اليونان الأقدمين. فاللهُ تعالى يتكفلُ بهدايةِ كلِّ مخلوقٍ من مخلوقاتِه فلا يوكلُ أمرَه إلى نفسِه أو إلى أحدٍ آخر من خلقِه. وهذه الهدايةُ تقتضي دوامَ العلاقةِ بين الخالقِ والمخلوق. فلولا أنَّ اللهَ تعالى يُمسكُ السمواتِ والأرضَ، لئلا تزولا، لزالتا لحظةَ انتهائه من خلقِهما. فإمساكُ اللهِ تعالى بالسمواتِ والأرض هو العلةُ من وراءِ تماسكِهما وبقائهما دون أن تزولا وتتلاشيا: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر). فاللهُ تعالى لم يكتفِ بأن يخلقَ السمواتِ والأرضَ خلقاً لا تعودان بحاجةٍ إليه بعدها.
ولقد قدَّمَ لنا القرآنُ العظيم مثالاً على هذه الهدايةِ الملازمةِ للمخلوقِ مادام حياً: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون) (68- 69 النحل). فاللهُ تعالى هو الذي كفلت هدايتُه للنحل ما يُديمُ عليه أنعمَه وما يجعلُه لا يضلُّ الطريقَ فيهلك. وهذا الذي يفعلُه اللهُ تعالى مع النحل هو فاعلُه مع كلِّ مخلوقٍ مادام حياً.

أضف تعليق