
قد يكونُ مفهوماً أن يعاقبَ الغربُ كلَّ ما هو ذو صلةٍ بما يُديمُ آلةَ الحربِ الروسية في أوكرانيا من فعالياتٍ تجاريةٍ وغيرِ ذلك، ولكن ما هو غيرُ مفهومٍ على الإطلاق أن يُعاقَبَ الشعبُ الروسي أدباءَ وفنانين ورياضيين وأطباءَ وأساتذةً جامعيين لا لشيءٍ إلا لأنهم مواطنون روس! فمخافةُ كلِّ ما هو روسي، أو ذي صلةٍ بروسيا، أخذت في الذيوعِ والانتشار مع بداياتِ الحربِ الروسية- الأوكرانية في 24 فبراير 2022. ولا يملكُ المرءُ غيرَ أن يتساءلَ عن العلةِ التي تجعلُ المواطنَ الأوروبي الغربي ينظرُ نظرةً عدائيةً لروسيا الإنسان والثقافة والتاريخ والحضارة، وإن كانت هذه العلةُ وليدةَ هذه الحرب أم أنها تضربُ بجذورِها عميقاً في التاريخ الأوروبي. ويكفلُ لنا تصفُّحُ ما في مكتباتِ الغرب العامة من كتبٍ تناولت الشأنَ الروسي ابتداءً من القرنِ السابعِ عشر وحتى أوائلِ القرنِ العشرين أن نتبيَّنَ حقيقةً تُعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا التساؤل. فمذكراتُ بعضٍ من القناصلِ الأوروبيين المعتمَدين لدى روسيا آنذاك، ورحلاتُ كثيرٍ من الدبلوماسيين الغربيين إلى روسيا في تلك الحقبةِ، لا تدعُ مجالاً للشك في أنَّ نظرةَ السوادِ الأعظمِ من هؤلاء وهؤلاء إلى روسيا والشعبِ الروسي كانت لا تختلفُ في شيءٍ عن نظرةِ كثيرٍ من الأوروبيين المعاصرين. فالروسُ في تلك القرونِ الخالية هم روسُ هذه الأيام؛ والعلةُ في ذلك بالإمكانِ تبيُّنُها بتدبُّرِ ما قالَه الشافعي “عَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ وَلَكِنَّ عَينَ السُّخطِ تُبدي المَساوِيا”.
