
من علاماتِ الزجِّ بالعقل فيما لا قدرةَ له على التعاملِ المعرفي معه إصرارُ البعض على الاحتكامِ إليه في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من وقائعِ هذا الوجودِ وأحداثِه. فالعقلُ، وفقاً لهذا البعض، ليس هنالك ما يحولُ دون أن يكتشفَ القوانينَ التي تسيرُ هذه الوقائعُ والأحداثُ بمقتضاها. فقوانينُ الوجودِ لا يمكنُ أن تكونَ “غيرَ معقولة”، وذلك من بعد أن قدَّمَ لنا العقلُ طائفةً منها إن كان قد تمكَّن من اكتشافِها، فليس هنالك بالتالي ما يحولُ دون أن يتمكَّنَ من اكتشافِ غيرِها.
ولقد نجم عن هذا الزعم ما جعلَ البحثَ العلمي في مجالاتٍ “غيرِ تقليدية” يضطرُّ القائمين عليه إلى مواجهةِ نتائجَ سلبية. وخيرُ مثالٍ على ذلك المشاريعُ التي انطلقت ما أن انتهت الحربُ العالميةُ الثانية، وذلك إثرَ استعارِ التنافسِ “العِلمي-العسكري” في مجالات البحوث غير التقليدية إبان الحربِ الباردة. والقاسمُ المشتركُ بين هذه المشاريعِ كلِّها جميعاً هو الإخفاقُ الذريعُ الذي انتهت إليه. فما الذي خرج به العِلمُ من نتائجَ جراءَ هذه المشاريعِ؟ وهل حققت للقائمين عليها ما كانوا يطمحون إليه؟
يكفينا حتى نتبيَّنَ الإجابةَ على ما تقدم من أسئلةٍ أن نستذكرَ واحداً من هذه المشاريع، وهو مشروعُ Sun Streak الذي كان يطمحُ إلى تحديدِ مكان “تابوتِ العهد” (The ark of the covenant) عن طريقِ توظيفِ قدرةٍ خارقة زُعِمَ أن بعضَ الأفرادِ كانوا يتمتعون بها، وهي قدرةُ “رؤية الأشياء عن بُعد” (Remote Viewing). ولقد تكللت أبحاثُ هذا المشروع بالفشلِ الذريع، إذ لم يتمكن أحدٌ من هؤلاء الأفراد من تشخيصِ مكانِ تابوتِ العهد.
وهنا لابد من الإشارةِ إلى أنَّ الإصرارَ على النأيِ بالعِلم عن الدين قد انتهى بالعلماء إلى الوقوعِ في شِباكِ افتراضاتٍ ميتافيزيقية لن يطولَ الأمرُ حتى يتبيَّنوا أنهم لم يكونوا على صوابٍ في ذلك. فتابوتُ العهدِ هذا هو ذاتُ التابوت الذي ذكره القرآنُ العظيم في سياقِ الحديثِ عن سيدِنا طالوت، والذي يبيِّن لنا تدبُّرُ الآيةِ الكريمة 248 من سورةِ البقرة بأنَّ الإنسانَ غيرُ مؤهلٍ جِبلةً وخِلقة لأن يتعاملَ معه من بعد أن أوكلَ اللهُ تعالى أمرَه إلى الملائكةِ وجعلهم حفظةً عليه فلا يستطيعُ بعدها أحدٌ أن يصلَ بغيرِ إذنِ اللهِ تعالى إليه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (248 البقرة).
