هل بمقدورِ العقل أن يتصدى للهوى؟

أشاعَ كثيرٌ من فلاسفةِ العصورِ الخاليةِ بين الناسِ وهماً مفادُه أنَّ الإنسانَ قادرٌ بعقلِه وحده على أن يتصدَّى للهوى فيقهرَه. وهذا زعمٌ تفنِّدُه حقيقةُ الإنسانِ كما نعرفُه. فالإنسانُ وإن بيَّنَ له عقلُه ضلالاتِ الهوى ومزالقَه، إلا أنه يصرُّ مع ذلك على أن يطيعَه ويتَّبعَه. فالعقلُ لا يملكُ ما يُعينُ الإنسانَ على أن يُلزِمَ نفسَه بألا تأتمرَ بأمرِ الهوى وتنتهيَ بنَهيِه. فالإنسانُ وإن كان يعلمُ عِلمَ اليقين أنَّ الضلالَ المبين هو باتِّباعِ ما يأمرُه به الهوى، إلا أنه لن يستطيعَ أن يخالفَ عن إرادةِ هواه. فكلُّ ما بمقدورِ العقلِ أن يقدِّمَه للإنسانِ هو لا أكثرَ من أن ينصحَ له، وذلك من دون أن يملكَ ما يحولُ دون أن يُمضيَ الإنسانُ مشيأتَه إن هو اختارَ أن يغضَّ الطرفَ عن نصيحتِه ويتبعَ هواه عوضَ ذلك.
ولذلك كان لابد من نظامٍ أخلاقي يعينُ كلَّ مَن التزمَ به، وعملَ بمقتضى ما يُوجبُه عليه، على أن يرتقِيَ بإرادتِه ارتقاءً منهجياً تدريجياً يكفلُ له خاتمةَ المطاف أن يمتلكَ من القدرةِ الذاتية ما لا يجعلُ لهواه بعدها عليه سلطاناً. ولقد بيَّنت لنا وقائعُ التاريخِ وأحداثُه، أن الإنسانَ ليس بمقدورِه وحده أن يُبدعَ هكذا نظامٍ أخلاقي، وأنَّ الدينَ هو القادرُ وحده على أن يأتيَ الإنسانَ به.

أضف تعليق