
لم أكن يوماً إلا مبغضاً أشدَّ البغض لكلِّ ما له علاقة بثوراتِ الشعوب، فهي عندي هوجاتٌ لا ثورات. وهذه الهوجات قد يرى فيها البعضُ محاسنَ وفضائل، وأنا لا أرى فيها غيرَ الرذائل والموبقات؛ كيف لا وهي تحركاتٌ هوجاء غيرُ منضبطة أما وأنَّ القائمين بها هم مزيجٌ غيرُ متجانس من الدهماءِ والغوغاء والهمجِ الرعاع. ويشهدُ أنها كذلك ما يتخلَّلُها من إيقاظٍ لنارِ الفتنةِ التي صحَّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنه قال فيها: “الفتنةُ نائمةٌ لعنَ اللهُ مَن أيقظها”. وما ثوراتُ “الربيع العربي” إلا مثالٌ حيٌّ على ذلك، وذلك لما انطوت عليه، وانتهت إليه، من إفسادٍ في الأرضِ وسفكٍ للدماء. فيكفي هذه الثورات- الهوجات أنها مكَّنت من الأمةِ أعداءَها، وأنها أتاحت لشذاذ الآفاق من شتى البقاعِ والأصقاع التوافدَ إلى أوطانِنا وإهلاكَ الزرعِ والضرع. ويكفي هؤلاء الذين رفعوا لواءَ هذه الثوراتِ المزعومة كبيرَ مقتٍ عند اللهِ تعالى أنهم أفسدوا في الأرضِ وتعدوا حدودَ الله وأحدثوا في دينِه من الاختراعِ والابتداع ما جعلهم أهلاً لأن يخلِّدَهم اللهُ تعالى في الدركِ الأسفلِ من النار مع المنافقين والفاسقين.
ويكفي ثوراتِ “الربيع العربي” بؤساً وضلالاً ما قامت به زمرةٌ مجرمةٌ من المارقين الفاسقين قبل أيامٍ قليلة في طرابلس الغرب عندما اقتحمت حديقةَ الحيوانِ فيها وقتلت من حيوانِها ما لم تتمكن من سرقتِه. فهل كان لهؤلاءِ المجرمين أن يفعلوا ما فعلوه لولا هذه الثورات، الهوجات، التي لم يرَ منها العبادُ إلا الطغيانَ وعظيمَ الفساد؟!
