في معنى الآيةِ الكريمة “قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ”

نقرأُ في سورةِ هود، وفي الآياتِ الكريمة 77- 81 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ. وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ. قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ. قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).
يمثِّلُ تدبُّرُ النصِّ القرآني الكريم تحدياً معرفياً لكلِّ مَن عقدَ العزمَ على إلزامِ عقلِه به. فالنصُّ القرآني، وعلى خلافِ غيرِه من النصوص، يقتضي من كلِّ مَن يتدبَّرُه أن يُعملَ فيه عقلَه إعمالاً ديدنُه التأنِّي والتروِّي والتمهُّل، وذلك قبل أن يسارعَ إلى إقامةِ الروابطِ والخروجِ بنتائجَ إن هي توافقت مع منطقِنا اللغوي، فإنها قد لا تتوافقُ بالضرورة مع المنطقِ الذي يقومُ عليه البنيانُ القرآني. ومن ذلك ما انتهى إليه التفسيرُ التقليدي لقولِ اللهِ تعالى “قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ” في الآيةِ الكريمة 80 هود أعلاه.
فالتفسيرُ التقليدي لهذه الآيةِ الكريمة ينطلقُ من ظنٍّ مفادُه أنَّ سيدَنا لوطاً قد توجَّه بقولِه هذا إلى قومِه، وذلك باعتبارِ ما وردَ قبله من آياتٍ كريمة. ولو أنَّ التفسيرَ التقليدي تفكَّرَ في قولِ سيدِنا لوط هذا، لتبيَّنَ له أنَّه عليه السلام كان يخاطبُ ضيفَه من الملائكة ولم يكن يخاطب قومَه. ويؤكد ذلك ما جاءَ بعد قولِه عليه السلام من آياتٍ كريمة. فسيدُنا لوط لم يكن قد تبيَّنَ بعد هويةَ هؤلاء الأضياف، وظنَّ أنهم بشرٌ مثلُ غيرِهم من البشر؛ ولذلك توجَّه إليهم بقولِه هذا، والذي بالإمكانِ تفسيرُه بالكلماتِ التالية: “لو أنكم كنتم أكثرَ نفراً وعدداً لكانت لي بكم قوة، ولو أنني كنت أعرفُ مكاناً لا يصلُ قومي إليه ألتجئُ معكم إليه لفعلت”. ولذلك توجَّه إليه أضيافُه الملائكةُ بقولِهم “قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ”. وفي ذلك ما فيه من طمأنةٍ لسيدِنا لوط بأن اللهَ تعالى قد كفاه مكرَ قومِه برسُلِه الذين أرسلَهم إليه، وأنه مهلكُهم عما قريب.

أضف تعليق