
احتدمَ الصراعُ على مرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور بين الداعين إلى تحكيمِ العقلِ في النقل والمطالبين بالاحتكامِ إلى النقل وإن تعارضَ مع العقل. ويقدِّمُ لنا هذا الصراعُ مثالاً نموذجياً على ما افتُتِنَ به الإنسانُ من هوَسٍ بالمفاضلةِ بين ضديدَين يظنُّ أن ليس هناك من سبيلٍ لأن يتلاقيا. وقد يُعذَرُ الإنسان إن لم يكن من المشتغلين بالفلسفةِ وغيرِها من فنونِ الجدال على هذا الظن، ولكن هل يُعذَرُ الفيلسوفُ إن هو تحيَّزَ لأحدِ هذين الضديدين وهو يظنُّ ألا تواجدَ للآخر، ظناً لا يوافقه عليه قيسُ بن الملوَّح الذي قال: “وقد يجمعُ اللهُ الشتيتَين بعدما يظنان كلَّ الظنِّ ألا تلاقيا”.
ونسجاً على هذا المنوال، ألا يحقُّ لنا أن نقاربَ العلاقةَ بين العقلِ والنقلِ من زاويةٍ غيرِ تقليدية، وإن لم تكن غيرَ منطقية، فنذهبُ إلى القولِ بأنَّنا غيرُ ملزَمين بوجوبِ أن نتحيَّزَ إلى العقلِ، أو النقل، تحيزاً يفترضُ أنَّ بينهما تضاداً أصلياً وتعارضاً بُنيوياً واختلافاً منهجياً لا يُجوِّزُ لنا، والحالُ هذه، أن نجمعَ بينهما كما يجمع اللهُ بين الشتيتين؟ فإعمالُ العقلِ في النقل يُعينُ العقلَ على أن يرتقِيَ إلى ما يجعلُ منه أكثرَ قدرةً على التعاملِ مع النقل قبل أن يشرعَ في التعاملِ معه. كما أنَّ إعادةَ صياغةِ البنيانِ المنهجي الذي قُيِّضَ للعقلِ أن يُنشَّأَ عليه، وذلك بالاحتكامِ إلى ما وردَ في النقلِ من معارفَ لم يكن للعقلِ أن يحيطَ بها أما وأنها بعضٌ من مفرداتِ عالمٍ آخر لم يسبق للعقلِ وأن تعاملَ معرفياً معه، ستجعلُ بمقدورِ العقلِ أن يُحسِنَ التعاملَ مع النقل بأفضل مما كان عليه من قبل.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الإصرارَ على أن العلاقةَ بين العقلِ والنقل لابد وأن تبقى أسيرةَ هذا التضادِّ المزعوم لن ينتهي بنا إلا إلى مزيدٍ من “الانحيازاتِ المعرفية” التي لن تزيدَ العقلَ إلا ضلالاً، ولن تجعلَ بمقدورِنا يوماً أن نفيدَ مما في النقلِ من خفيِّ المعارفِ ولطيفِ العلوم في الارتقاءِ بعقولِنا.
