
الإنسانُ كائنٌ ملتاثٌ مُعتَل. وهذه حقيقةٌ ليس بالعسيرِ الإتيانُ بما يبرهن على أنها كذلك من شواهدِ الحاضرِ والماضي. وهذا الاعتلالُ الذي تنطوي عليه بُنيةُ الإنسان هو شيءٌ لم يرثه عن ماضيه الحيواني الذي أعجزَ كلَّ مَن حاولَ أن يتبيَّنَ فيه ما يمكِّنُه من أن يعلِّلَ لهذا الاعتلالِ البشري. فالإنسانُ يمثِّلُ لغزاً لا يبدو أنَّ العِلمَ قد تمكَّنَ حتى الآن من أن يجدَ له حلاً؛ فالإنسانُ من جهة هو إبنٌ للطبيعةِ نشأَ من مادتِها وترعرعَ في كنفِها حتى صارَ بينَه وبين باقي كائناتِها من الصِّلاتِ والوشائج ما ليس بمقدورِ العقلِ السليم أن يُنكِرَه، ومن جهةٍ أخرى تراه لا يملكُ غيرَ أن يخرجَ عليها تمرداً وعصياناً وإفساداً وطغياناً. فليس هنالك كائنٌ من كائناتِ الطبيعة بمقدورِه أن يحدثَ فيها من الخرابِ والفساد قدرَ ما يحدثُه الإنسان. ولذلك كان الإنسانُ لغزاً معرفياً يستعصي على كلِّ محاولةٍ للتوفيقِ بين هذه القدرةِ غيرِ الطبيعية على إحداثِ الفوضى والخرابِ والفساد في الطبيعة وبين انتمائه البايولوجي والفسيولوجي إليها.
وإزاءَ عجزِ العِلم عن التوفيقِ بين هذا التشابهِ المذهل بين الإنسانِ والحيوان، ما تعلَّقَ الأمرُ بمادةِ كيانِ الإنسان، وبين سلوكياتِه وتصرفاتِه غيرِ الطبيعية، أفلا يحقُّ لنا أن نعيدَ قراءةَ النصِّ الديني الذي لم يكتفِ بتبيانِ حقيقةِ هذا التناقضِ الذي ينطوي عليه اللغزُ الإنساني، بل جاءنا بما هو كفيلٌ بعلاجِ اعتلالِ الإنسان وإصلاحِ الخللِ البنيوي الذي يشتملُ عليه، وذلك بتوصيفِه لنا نظاماً تعبدياً صارماً إن استمسكَ به صادقاً مخلصاً كان له أن يبرأَ من اعتلالِه هذا ويصبحَ إنساناً آخر متوافقاً مع الطبيعةِ وكائناتِها.
غير أنَّ النَّصَّ الديني لم يقصر القدرةَ التي ينطوي عليها هذا النظامُ التعبدي على قدرتِه على معالجةِ الخللِ الذي ولِدَ الإنسانُ به، وذلك إذ أنبأنا بأنَّ التزامَ الإنسانِ بهذا النظامِ التعبُّدي بصدقٍ وإخلاص كفيلٌ بأن يجعلَه أهلاً لأن يتلقَّى من فضلِ اللهِ ما يتجلى عليه أنعماً وبركاتٍ ومقدرةً على اجتراح خوارقِ العادات، وذلك من بعدِ أن يكونَ قد أغدقَ عليه ما لا يمكنُ إغفالُه من الإنعامِ والإفضال، وبما يلمسُه هو وغيرُه تغييراتٍ في محيطِه لا يملكُ حيالَها ما يحولُ دون أن تتجلى عليه وعلى مَن حوالَيه. فالقرآنُ حافلٌ بقصَصِ أولئك الذين اتَّبعوا هذا النظامَ التعبدي الذي فصَّلته وبيَّنته آياتُه الكريمة، فتجلى عليهم ظواهرَ لايملكُ العقلُ إلا أن يقرَّ بأنها ما كانت لتحدث لولا الالتزام الصارم بهذا النظامِ التعبدي.
فإذا كانت تقوى الله هي السبيلُ الوحيد ليصبحَ الإنسانُ إنساناً جديداً معافى من الخللِ البُنيوي الذي وُلِد به، فإن بمقدورِها أيضاً أن تؤهلَه لاستقبالِ بركاتٍ من السماءِ والأرض لن يجدَ عقلُه لها تعليلاً أو تفسيراً: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (من 2- من 3 الطلاق)، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (من 96 الأعراف).
