في معنى الآيةِ الكريمة “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”

كانت “آيةُ الجدار” البرهانَ الثالثَ، والأخير، الذي أراه العبدُ الصالح لسيدِنا موسى، وذلك حتى يضطرَّه للتيقُّنِ من ألا جدوى هناك من اتِّباعِه له أما وأنه لا يملكُ ما يكفي من الصبر ليجعلَ منه يُحجِمُ عن تحكيمِ رأيِه في كلِّ ما يعرضُ لهما. وفي ذلك ما هو كافٍ لسيدِنا موسى حتى يستيقنَ من أنه غيرُ أهلٍ لأن يتبعَ هذا العبدَ الصالح الذي سبقَ وأن قالَ له: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) (من 67- 68 الكهف).
وقصةُ الجدار تبدأُ بوصولِ سيدِنا موسى والعبدِ الصالح إلى قريةٍ كان البخلُ والشُّحُّ يغلبان على أهلِها: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) (من 77 الكهف). فما كان من العبدِ الصالح إلا أن توجَّهَ إلى بيتٍ كان جدارُه يوشكُ على التداعي والانهيار، فعمدَ إلى إقامتِه من دون أن يسألَ أجراً نظيرَ ما بذله من جهد: )فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (77 الكهف).
وهنا كان لابد وأن يكاشفَ العبدُ الصالح سيدَنا موسى بأنَّ الأوانَ قد آنَ حتى يتفارقا من بعد أن تجلَّت لسيدِنا موسى استحالةُ متابعتِه له: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (78 الكهف). فشرعَ العبدُ الصالحُ يبيِّنُ لسيدِنا موسى الحقيقةَ التي لم يكن بمقدورِه أن يتبيَّنَها بشأنِ ما اشتملَ عليه كلٌّ من البرهانين الأولِ والثاني، فلما أن جاءَ دورُ البرهانِ الثالث، قال له: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (82 الكهف).
فما هو معنى “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ هذا القولَ في سياقِه القرآني: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). فاللهُ تعالى كان يريدُ أن يحفظَ للغلامَين اليتيمَين الكنزَ الذي ادَّخرَه لهما أبوهما، وذلك رحمةً منه تعالى بهما. والرحمةُ هنا لا تقتصرُ على ما سوف يُحدِثُه ما في الكنزِ من مال من عظيمِ الأثر في حياتِهما فحسب، كما هو بالإمكانِ تصوره، ولكنها تتسعُ لتشملَ ما يكفلُ لهما ألا يضلا السبيلَ فيسلكا غيرَ طريقِ الصلاح الذي سلكه من قبلُ أبوهما. فما أن يبلغَ الغلامان أشدهما، ويتناهى إلى عِلمهما ما كان من أمرِ الغريبَين اللذين سخرهما اللهُ تعالى ليحفظَ لهما كنزَهما، حتى يدركا أنَّ الذي لم يضيِّع مالَهما هو الأجدرُ بأن لا يضيِّعا حقوقَه عليهما.

أضف تعليق