ما هو القاسمُ المشتركُ الأعظم بين البشر كلِّهم جميعاً؟

يتمايزُ البشرُ بعضُهم عن بعض في العِرقِ والجنس والموقف من الدين والخلفيةِ الثقافية والمستوى المعيشي وكثيرٍ غيرِ ذلك. ولقد كان هذا هو شأنَ البشرِ منذ بدايةِ تواجدِهم على هذه الأرض. صحيحٌ أنَّ الإنسانَ يسعى إلى تبيُّنِ المشتركاتِ التي تجمعُه مع آخرين، تلبيةً منه لنزعةٍ داخلية تدفعُ به صوبَ التماهي مع جماعةٍ يزدادُ بها منعَةً وقوة، إلا أنه لا يملكُ غيرَ أن يستجيبَ لنزعةٍ داخليةٍ أخرى توهمُه بأنه متمايزٌ عن الآخرين وبما يؤكدُ له أنَّ فيه ما ليس فيهم، وأنه مؤهلٌ بذلك لأن يحظى بما لا ينبغي لهم. وهذا واحدٌ فحسب من جملةِ تناقضاتٍ داخليةٍ تُشقي الإنسانَ بما تعرِّضُه له من تشظٍّ في عواطفِه وتشرذمٍ في ميولِه وتمزُّقٍ في إرادتِه. إلا أنَّ ذلك كله لا ينبغي أن يغيِّبَ عنا وجهاً آخرَ لحقيقةِ الإنسان بالإمكانِ إيجازُه وتلخيصُه كما يلي: إنَّ الملاحظَ على الإنسانِ، كائناً ما كان عِرقُه أو موقفُه من الدين أو خلفيتُه الثقافية أو مستواه المعيشي، أنَّه يُبدي ذاتَ ردودِ الأفعال كلما تعرضَ لما يستفزُّ نفسَه فيستدرجُها إلى منطقةٍ لا تُفلِحُ معها أيُّ محاولةٍ من جانبِها للتملُّصِ من الفخاخِ التي نُصِبت لها فيها. فالإنسانُ، رجلاً كان أم إمرأة، مثقفاً كان أم غيرَ متعلم، موسراً كان أم مُعدَماً، يبقى هو الإنسانُ من بعدِ أن نجحتَ في جرِّه بعيداً عن مأمنِه واضطررتَه إلى البوحِ بدواخلِه. عندها سيظهرُ الإنسانُ بوجهِه الحقيقي؛ هذا الوجهُ الذي نحرصُ كلُّنا جميعاً على إخفائه بهذا القناعِ أو ذاك تارة، أو بالانفعالاتِ الزائفة تارةً أخرى.
إنَّ هذه النفسَ، التي هي القاسمُ المشتركُ بين البشرِ كلِّهم جميعاً، تتكلَّمُ ذاتَ اللغة وتصدرُ عنها ردودُ الأفعالِ ذاتُها. وهذا يوجِبُ علينا ألا نبقى أسرى المقاربةِ السايكولوجية لنفسِ الإنسان؛ هذه المقاربةُ التي يزعمُ أصحابُها أنَّ النفسَ البشريةَ ليست واحدة، وأنها تتعدَّدُ بتعدُّدِ أنفاسِ البشر. فالبشرُ كلُّهم جميعاً قد ولِدوا بذاتِ النفسِ المتعاليةِ على الزمانِ والمكان والظروفِ، اجتماعيةً كانت أم اقتصادية، وعلى التنشأةِ والوراثة، وعلى العرقِ والجنسِ، وغيرِ ذلك مما تتوهم هذه المقاربةُ أنها عواملٌ تجعلُ أنفسَ بَني آدم تتمايزُ فيما بينها بتعددِ أنفاسِهم. فالإنسانُ إذاً لن يصبحَ ذا نفسٍ تتمايزُ عن غيرِها من أنفسِ البشر إلا من بعد أن يخوضَ معها صراعاتٍ ونزالات لابد منها حتى تتأدبَ وتتهذبَ، وحتى يفارقَها ما جُبلت عليه من شُحٍّ وبخلٍ وسوءِ ظن وكبرٍ وتعالٍ وتباهٍ وتفاخر وحقدٍ وبغضٍ وحسدٍ وغيرِ ذلك من صنوفِ الرذائلِ التي لن ترتقيَ نفسُ إنسانٍ، فتصبحَ متمايزةً عن غيرِها من الأنفسِ، إلا بزوالِها.

أضف تعليق