
في الموروث الشعبي العربي يتكررُ الحديثُ عن حادثةٍ ملخصُها أنَّ رجلاً عثرَ يوماً على كتابٍ قديم فيه طريقةٌ لاستحضارِ واحدٍ من الجن. فما كان من صاحبِنا إلا أن حملَ الكتابَ إلى بيتِه واعتزلَ أهلَه وعكفَ على العملِ بمقتضى ما جاء فيه، وكلُّه أملٌ أن يحضرَ جنيٌ يقضي له حوائجَه. ولما حضرَ الجني وحقَّقَ لصاحبِنا مرادَه، فوجئَ بأن الجني يأبى أن ينصرفَ أما وأن الذي استحضرَه لم يكن يعرفُ كيف يصرفُه؛ حيث لم يرد في الكتاب شيءٌ عن ذلك. لذلك قيل في الأمثال العربية القديمة: “مثلُ فلان كذاك الذي استحضرَ جنياً ثم عجزَ عن صرفِه”.
المغزى من إيرادِ هذه الحكاية أنها تصفُ حالَنا مع الذكاءِ الاصطناعي الذي يتسارعُ تطورُه على مدارِ الساعة بينما يعجزُ ذكاءُ الانسانِ عن مواكبتِه واللحاق به. ولما كانت كلُّ المؤشرات تشيرُ إلى أنَّ الفجوةَ بين الذكاءين سوف تزدادُ اتساعاً وإلى الحدِّ الذي لن يبقى بعده ما بوسعِه أن يُعينَ الإنسانَ على إحكامِ سيطرتِه على هذا الذكاء الذي خلقَه بذكائه، ولم يكن ليخطرَ له على بال أنه سوف يأتي يومٌ يتفوقُ فيه عليه ولن يكونَ بعدها مضطراً إلى الاعتمادِ عليه، فإنَّ واقعاً جديداً قد فرضَ نفسَه علينا لا نملكُ حيالَه غير التسليمِ به.
إنَّ هذه المقالة ليست دعوةً إلى التخوف من الذكاءِ الاصطناعي، كما يطالبُ بذلك البعض، وذلك لسببٍ بسيط هو أنَّ الأمورَ قد خرجت عن سيطرتِنا منذ اللحظةِ التي لم يعد فيها الذكاءُ البشري هو الذكاءُ المتفوقُ على هذه الأرض! وقادمُ الأيامِ كفيلٌ بأن يريَنا أن ليس بمقدورِنا أن نوقفَ عجلةَ تطورِ الذكاء الاصطناعي مهما حاولنا، وأنَّ أفضلَ ما بوسعِنا أن نقومَ به هو أن نتعلمَ، ومنذ هذه اللحظة، كيف نتعايشُ مع ذكاءٍ يفوقُنا مقدرةً وحكمة.
