
يُصرُّ البعضُ على أن يقرأَ القرآنَ دونما تدبر، مخالفاً بذلك عن أمرِ اللهِ تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ( (29 ص).
وقراءةٌ دون تدبرٍ لن تعينَ القارئَ على التصدِّي بعزمٍ وحزمٍ وقوة لما تدعوه إليه نفسُه من تغليبٍ لكلِّ ما هو موافقٌ لما تشتهيه وتهواه من أحكامٍ جاهزةٍ وتفسيراتٍ مجحفة. ومن ذلك ما يصرُّ عليه هذا البعضُ من حكمٍ على امرأةِ العزيز لا ينظرُ إلا إلى ما أقدمت عليه من عملٍ غيرِ صالح إذ أغوت سيدَنا يوسف. صحيحٌ أنَّ امرأةَ العزيز قد قالَ اللهُ تعالى فيها: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) (من 23 يوسف). وصحيحٌ أيضاً أنها أتبعت فعلتها هذه بما أنبأنا اللهُ تعالى به في قولِه: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (25- 28 يوسف).
وصحيحٌ أنها قد أتبعت كلَّ ذلك بما فصَّله اللهُ تعالى وبيَّنه في قولِه: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (32 يوسف). إلا أن الاقتصارَ على ما تقدَّمَ بيانُه وتفصيلُه، ومن دون أن نأخذَ بنظرِ الاعتبار ما كان من امرأةِ العزيز حين أُحضرت إلى مجلسِ الملك، وما شهدت به في حقِّ سيدِنا يوسف، إنما هو دليلٌ على ما تتسببُ به قراءةُ القرآنِ دونما تدبر من تسرُّعٍ في إطلاقِ الأحكام واتخاذِ المواقف؛ فهكذا قراءة لن يفلحَ صاحبُها في تبيُّنِ ما آلَ إليه أمرُ امرأةِ العزيز كما بيَّنه قولُ اللهِ تعالى فيها: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ. قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (50- 52 يوسف).
فيكفي امرأةَ العزيز إذاً شهادةُ اللهِ تعالى فيها، ويكفيها أيضاً أنها كانت أولَ مَن أصَّلَ لمصطلحِ “النفس الأمارة”؛ هذا المصطلحُ الذي أضحى فيما بعد أساساً لما اصطُلِحَ عليه بـ “أنفس الإنسان”: النفسُ الأمارة، النفسُ اللوامة، النفسُ المطمئنة،…
