في العلةِ من وراءِ تفشِّي آفةِ الشذوذ في شبابِ أوروبا

لم يسبق وأن شهدت الإنسانيةُ انحطاطاً قِيَمياً وتدهوراً أخلاقياً كهذا الذي نشهدُه في الغربِ اليوم. فإذا كان الشذوذُ ظاهرةً يُرينا تاريخُ الإنسانِ على هذه الأرض أنها لازمت البشرَ منذ بدايةِ اتخاذِهم “النمطَ المجتمعي” أسلوباً للتعايشِ المشترك، فإنها لم تكن شائعةً شيوعَها اليوم بين شبابِ الغرب. فكثيرٌ من شبابِ الغرب اليوم، ذكوراً وإناثاً، قد آثروا اعتمادَ هذا النمطِ الشاذ أسلوبَ حياةٍ يحرصون على انتهاجِه والدفاعِ عنه بشتى الذرائعِ والمسوغات. ولو أننا تفحصنا هذه الذرائعَ والمسوغات، فلن نعجزَ عن تبيُّنِ افتقارِها لما يمكِّنُها من أن تُقيمَ الحجةَ على كلِّ مَن يناوئُ أسلوبَ حياتِهم هذا. فالحقيقةُ التي يعجز هؤلاء عن تبيُّنِها هي أن الضغوطَ المجتمعية التي يتعرضُ لها شبابُ الغرب اليوم قد تفاقمت وإلى الحدِّ الذي جعل الكثيرَ منهم عاجزاً عن إقامةِ علاقةٍ سوية مع النساء، وذلك من بعد أن أصبح بمقدورِ المرأةِ في الغرب أن تمارسَ دورَها المجتمعي وتبرعَ فيه، وبالقدرِ الذي يجعلُها تمثِّلُ تحدياً وجودياً لكثيرٍ من الرجال الذين أصبح واحدُهم يؤثرُ أن يقيمَ علاقةً مع رجلٍ آخر لا يُشعرُه بهذا التهديدِ الوجودي.
هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فإنَّ تفشِّي الشذوذ بين كثيرٍ من نساءِ الغرب هو واحدٌ من النتائجِ التي تمخضت عنها الثورةُ الجنسيةُ التي بدأت في ستينياتِ القرنِ الماضي، والتي كان المستفيدَ الأكبرَ منها النساءُ اللاتي أصبح بمقدورِ كثيرٍ منهن أن يحظين بحريةٍ جنسية غير مسبوقة على الإطلاق. فالحريةُ الجنسيةُ للمرأةِ في الغرب اليوم قد جعلت لها خياراً لم يكن متاحاً من قبل. فالمرأةُ، وبحكمٍ من تكوينِها البايولوجي- الفسيولوجي، تبحث في شريكِها عن الوفاءِ والإخلاص. ولأن كثيراً من الرجال، وبحكمِ تكوينِهم البايولوجي-الفسيولوجي، ليس بمقدورِهم أن يكونوا هذا الشريكَ المخلصَ الوفي، فلقد أتاحت الحريةُ الجنسيةُ للمرأةِ في الغرب اليوم فرصةَ العزوفِ عن الدخولِ في علاقةٍ يعجزُ الرجلُ فيها عن مبادلتِها وفاءً بوفاء وإخلاصاً بإخلاص، وقدَّمت لها بديلاً أكثرَ إرضاءً وإخلاصاً ووفاءً متمثلاً بامرأةٍ أخرى تقيم معها علاقةً لا سبيل للمقارنةِ بينها وبين ما كانت تعانيه مع الرجل من انعدامِ الوفاءِ والإخلاص.

أضف تعليق