في بيانِ إخفاقِ التفسيراتِ التقليدية للعدوانِ الخبالي البشري

العدوانُ في عالَمِ الحيوان، شأنُه شأنُ باقي السلوكياتِ الحيوانية، منضبطٌ بقوانينَ لا يملكُ الحيوانُ أن يخالفَ عن أمرِها. وحده الإنسان مَن بمقدورِه أن يُظهِرَ من صنوفِ وتجلياتِ العدوان ما تعجزُ أيُّ قوانين طبيعية عن التعليلِ لخروجِه هذا عليها. فما الذي حدث فجعل بمقدورِ الإنسان أن يخالفَ، إن شاء، عن القوانينِ الضابطةِ للعدوان؟ فإرادةُ الإنسان بالخروجِ على القوانينِ الضابطةِ للعدوان مشروطةٌ بمدى التزامِه بالقوانينِ التي تواضعَ عليها المجتمعُ البشري فجرَّمَ الخروجَ عليها. ومسألةٌ كهذه لا تزالُ تمثِّلُ تحدياً يعجزُ علماءُ الإنسان عن التصدي له. فكيف يستقيمُ أن يكونَ الإنسانُ ذا ماضٍ حيواني وهو بهذا العجزِ الكامنِ في بُنيتِه عن التقيُّدِ بالقوانينِ الضابطةِ للعدوان؟
تظنُّ مدرسةُ النشوءِ والارتقاء أنها تملكُ الإجابةَ على هذا “التناقضِ الوجودي” الذي تنطوي عليه بُنيةُ الإنسان. فانفراطُ عقدِ العدوان عند الإنسان، كما ترى هذه المدرسة، والذي أدى بالنتيجة إلى عجزِه عن الالتزامِ بالقوانينِ الضابطةِ للعدوان، إنما يعودُ إلى ما اعتورَ تطورَه “الطبيعي” وهو يتدرجُ متنقلاً من مرحلةٍ تطوريةٍ إلى أخرى. وهذا كلامٌ ينطوي على غموضٍ يجعلُه لا يقدم إجابةً منطقيةً تميطُ اللثامَ عن هذا التناقضِ الوجودي الذي جعلَ الإنسانَ على هذا القدرِ من عدوانٍ غيرِ طبيعي لا يبالغُ المرءُ إذا ما وصفَه بأنه “عدوانٌ خبالي”.
وإذا كانت مدرسةُ النشوءِ والارتقاء عاجزةً عن حلِّ هذا الإلغاز الوجودي الذي يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان، فحدِّث ولا حرج عن مدارسَ أخرى قدَّمت ما توهمت أنها مقارباتٌ تفسيرية بوسعِها أن تتعاملَ معرفياً معه. فلا المقاربةُ الآنثروبولوجية، ولا السوسيولوجية، ولا السايكولوجية، تمكنت من الخروجِ بتعليلٍ لهذا العدوانِ الخبالي الذي يبرهنُ لنا حاضرُ الإنسانِ وماضيه على ما تسببَ به من عظيمِ الضرر للإنسانِ وبيئتِه وصولاً إلى هذا المنعطف الخطيرِ حيث باتت الإنسانيةُ اليوم يتهددها خطرٌ وجودي يتمثل في إنسانِ هذا العصر الذي أصبح بمقدورِه أن يُنهيَ الحياةَ على الأرض بلمسةِ مفتاحٍ واحد.

أضف تعليق