واقعةُ “آندرسونفيل” والوجهُ الحقيقي للإنسان

تمثلُ الحربُ الأهليةُ الأمريكية مرتعاً خصباً لكلِّ مَن يريدُ أن يتعرَّفَ على الوجهِ الحقيقي للإنسان؛ هذا الوجهُ الذي نحرصُ كلُّنا جميعاً على إخفائه عن أنفسِنا وعن الآخرين. فلقد شهدت هذه الحربُ الطاحنةُ الضروس من الفظاعات ما يكفي حتى نخرجَ بنتيجةٍ مفادُها أنَّ الإنسانَ كيانٌ لا وجهَ للمقارنةِ بينه وبين الحيوان الذي يخبرُنا العلمُ بأنَّ الإنسانَ سليلُه. فلقد بلغت خسائرُ الجانبَين المتقاتلَين في هذه الحرب ما يتجاوز الـ 600 ألف إنسان! ولا يمكن على الإطلاق أن نقصرَ بشاعةَ تلك الحرب على الخسائرِ البشريةِ، والأضرارِ المادية، التي تسببت فيهما. فهنالك جوانبٌ في هذه الحرب لا يتطرقُ إليها عادةً التاريخُ الرسمي. ومن هذه الجوانب ما كان يحدث في السجونِ الحربيةِ من مظالمَ تعرضَ لها الشماليون على يد بَني جلدتِهم الجنوبيين، وما تعرض له الجنوبيون في سجونِ بَني جِلدتِهم الشماليين.
ويكفينا للتدليل على فظاعةِ هذا الأمر أن نستذكرَ واقعةَ “آندرسونفيل”. فتلك البلدةُ التي كانت قبيل اندلاعِ الحربِ الأهليةِ الأمريكية قريةً وادعةً، تحولت بين عشيةٍ وضحاها إلى واحدةٍ من المعالمِ البشعة لهذه الحرب، وذلك حينما أُودِع في سجنِها آلافُ الجنودِ الشماليين في ظروفٍ قاسيةٍ لم ينجُ منها إلا بضعةٌ منهم فحسب! ويكفينا هنا أن نستذكرَ أنَّ عددَ من مات في هذا السجن من الجنودِ الشماليين، خلال أحدَ عشرَ شهراً، بلغَ 12 ألف و900 أسيراً، قضى السوادُ الأعظمُ منهم جوعاً وتعذيباً وتقتيلاً بأبشعِ الصورِ المتخيلة!
أليس في هذا ما يكفينا حتى نتبيَّنَ الوجهَ الحقيقي للإنسان، والذي لا يظهرُ إلا حين لا يجدُ الإنسانُ ما يوجبُ عليه أن يُخفِيَه لهذا السببِ أو ذاك من الأسباب ذاتِ الصلة بالوجهِ الذي يريدُ أن يظهرَ به أمام نفسِه وأمام الآخرين؟

أضف تعليق