
وردت كلمةُ “المقدَّس” في القرآنِ العظيم في موطنَين اثنين: (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (15- 16 النازعات)، (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) (11- 12 طه).
ووردت كلمةُ “المقدسة” مرةً واحدةً في القرآنِ العظيم: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (21 المائدة).
ولم يرد في القرآنِ العظيم ذِكرٌ لـ “تجلِّي” اللهِ تعالى غيرَ مرةٍ واحدة، وذلك في الآيةِ الكريمة 143 من سورةِ الأعراف: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين).
فهل يُعينُنا تدبُّرُ ما تقدَّمَ من آياتٍ كريمة على تبيُّنِ العلاقةِ بين “المقدس” و”المتجلي” في القرآنِ العظيم؟
لابد لنا بادئ ذي بدء أن نستذكرَ ونتدبَّرَ ما فصَّلَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من تبيانٍ لدرجاتِ “تجلِّيه”، وذلك بتبيانِه العلاقةَ القائمةَ بينه وبين مخلوقاتِه. فالقرآنُ العظيم يكشفُ لنا النقابَ عن نوعٍ لطيفٍ خفيّ من أنواعِ “تجلِّي” الله حين يحدِّثُنا عن حقيقةٍ كونيةٍ مفادها أنَّ الوجودَ بأسرِه ما كان له أن تتماسكَ مادتُه، من دون أن تتلاشى أو تزول، لولا أنَّ اللهَ تعالى هو مَن يمسكُ سماواتِه وأرضَه: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر).
كما ويحدِّثُنا القرآنُ أيضاً عن نوعٍ آخر من “تجلِّي” اللهِ تعالى هو ما وردَ ذكرُه أعلاه حين تجلَّى اللهُ للجبلِ على مرأى من سيدِنا موسى. فهذا نوعٌ من تجلياتِ الله يتجاوزُ إمساكَه بمادةِ الجبل، لئلا يزول، إلى ما يجعلُه ينهارُ فيصبح كومةً من الحجارة.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ “المقدس” هو نوعٌ آخر من أنواعِ “التجلِّي الإلهي” يسبغ على الكيانِ الذي كان محلاً لهذا التجلي ما يجعلُه يفيض رحمةً وبركةً لا يملكُ مَن يتواجدُ على مقربةٍ منه ما يجعلُه لا يستشعرُ بليغَ أثرِهما فيه وحواليه. فـ “المقدس” إذاً هو الشيءُ الذي خلَّفَ فيه هذا النوعُ من أنواعِ “تجلِّي” اللهِ ما يجعلُه يمتازُ عن غيرِه من الأشياءِ التي لم تحظَ بهذه النعمةِ ما اضطرَّ الناسَ، على مرِّ الأزمان، إلى تشخيصِه وتمييزِه وإفرادِه بخصائصَ وصفاتٍ أفردوه بها عن سواه.
