
أنزلَ اللهُ تعالى دينَه الحق على رسُلِه الكرام ليبلِّغوا رسالاتِه إلى الناس، فاختلف الناسُ فيما بينهم بين مكذِّبٍ ومصدِّق. ولم يكن هذا هو الاختلافَ الوحيد الذي تمايزَ الناسُ بموجبِه؛ فحتى أولئك الذين قالوا بأنهم آمنوا بما أُنزِلَ عليهم من ربِّهم من هَديِه الذي حملَه إليهم رسلُه الكرام، اختلفوا هم أيضاً فيما بينهم أيهم هو الأكثرُ قرباً من تبيُّنِ “المعنى الحقيقي” لرسالةِ الله، وأيهم هو الأحسنُ عملاً بما اشتملت عليه هذه الرسالةُ من نظامٍ تعبدي فصَّلَ أوامرَ اللهِ ونواهيه. ولئن اختلف الذين آمنوا برسالاتِ الله فيما بينهم بمقتضى ذلك، فإنَّ كتابَ الله هو ما ينبغي أن يحتكمَ الجميعُ إليه بهذا الخصوص.
ولنأخذ على سبيلِ المثال ما فصَّلَه القرآنُ وبيَّنته آياتُه من علاماتِ التدينِ الحق بمنهاجِه التعبدي. وسوف أوردُ في هذا المقال علامةٌ من هذه العلامات أجدُها مما ينبغي أن يؤخذَ بنظرِ الاعتبار كلما أردنا أن نتفحصَ السلوكَ التعبدي، والمشربَ التديُّني، لهذا أو ذاك ممن يقولُ بأنه متدينٌ بِدينِ اللهِ الذي أنزلَه على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم.
وهذه العلامةُ هي هو الموقفُ من “الآخرين” الذين لم يؤمنوا بما آمنَ به، ولم يتدينوا بما تديَّنَ به: هل يحكمُ عليهم بالضلالِ المبين؟ وهل يقطعُ جازماً بأنهم لن يؤمنوا يوماً بما آمنَ به ولن يتدينوا يوماً بما تديَّنَ به؟ وهل يصدرُ هذا كلُّه منه عن إيمانٍ راسخٍ بأنَّ اللهَ تعالى هو وحده مَن يحقُّ له أن يقضيَ بين الناس وأن يحكمَ عليهم وفقاً لما تقضي به مشيئتُه؟
