الإنسانُ الهَش (Homo Fragilius) تأصيلٌ قرآني

تعتورُ مقاربةَ العقلِ البشري للظواهرِ التي يرومُ دراستَها جملةٌ من العيوبِ المعرفية ليس بالمتعذَّرِ تشخيصُها وبيانُها. ومن هذه العيوب، أنَّ عقلَ الإنسان إذا ما تناول نطاقاً من الوجودِ، فأخضعه للبحث، تميَّزَ مشروعُه بانحيازٍ معرفي يحتِّمُ عليه أن يأخذَ أحداثاً بعينِها ويشيحَ ببصرِه عن أحداثٍ أخرى، أما وأنه قد حكمَ عليها بأنها قد تجنحُ به بعيداً عما يريد أن ينتهيَ إليه من نتائج.
وخيرُ مثالٍ على ذلك ما قام به داروين من إغفالٍ لما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان من فروقاتٍ واختلافاتٍ لو أنه أخذها بنظرِ الاعتبار لأعادَ كتابةَ نظريتِه حولَ أصل الأنواع. فداروين أَولى اهتماماً منقطعَ النظير بما يجمعُ بين الإنسانِ والحيوان من مشتركاتٍ تطورية ظنَّ أنها كلُّ ما يقتضيه الأمرُ حتى ينتهيَ متدبرُ نظريتِه إلى الإقرارِ بالأصلِ المشتركِ للكائناتِ الحية وبالقبولِ بما فصَّلته من آلياتٍ تكفلت بظهورِ هذا التنوع الحيوي الذي يميِّزُ الطبيعة. فالمشتركاتُ التطورية التي تجمعُ بين الإنسانِ والحيوان تقف عاجزةً عن التعليلِ لكلِّ هذه الاختلافاتِ والفروقاتِ التي يتمايزُ بها أحدهما عن الآخر. ولذلك كان من المحتَّمِ على داروين ألا يتبيَّنَ الهشاشةَ التكوينية التي يتمايزُ بها الإنسانُ عن الحيوان، والتي تجعلُه عاجزاً عن القيامِ بأفعالٍ لا تُعجِزُ الحيوانَ، ومضطراً إلى إبداءِ ردودِ أفعالٍ لا يُبديها الحيوان. وهذا الضعفُ التكويني الذي يتميزُ به الإنسان يوجبُ علينا أن نأخذَه بنظرِ الاعتبار، وأن نسعى جاهدين لنتبيَّنَ هذا الذي حدثَ فجعل الإنسانَ على هذا القدرِ من الضعف الذي يتعارضُ مع ما تقتضيه آلياتُ التطور التي كشفَت نظريةُ داروين النقابَ عنها.
وأولُ خطوةٍ على هذا الطريقِ هي بأن نُقِرَّ بهذا الضعف التكويني الذي يميِّزُ الإنسان، وذلك بأن نعمدَ إلى نحتِ مصطلحٍ جديد يعرِّفُ الإنسانَ بدلالةٍ من ضعفِه هذا. وأقترحُ أن يكونَ “الإنسانُ الهَش” (Homo Fragilius) هو هذا المصطلح. وصدقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم الذي وصفَ القرآنَ بأنه “كتابٌ لا تنقضي عجائبُه”؛ كيف لا ونحن نقرأُ في القرآنِ قولَ اللهِ تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء).

أضف تعليق