في معنى قَولِ اللهِ تعالى “أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا”

يبالغُ الإنسانُ في حسنِ ظنِّه بِنفسِه، وإلى الحدِّ الذي يجعلُه يأمنُ جانبَها، فينسى أنها ما خُلِقَت إلا لِتُعينَ الشيطانَ على خداعِه حتى تُوردَه مواردَ الهلاك. ومن ذلك تزيينُها له أنه فذلكةٌ من الخَلق، وأعجوبةٌ لا مثيلَ لها، وصنعةٌ ربانيةٌ تفرَّدَ بها عن غيرِه من المخلوقات. وحتى تَلبِسَ عليه دينَه، وتحولَ دون أن يتبيَّنَ مكرَها وغوايتَها، فلن تعدمَ النفسُ وسيلةً لتجعلَه يصدِّقُ غوايتَها فيجوزُ عليه ما تريدُه أن يؤمنَ به. وخيرُ وسيلةٍ تضمنُ لها تحقيقَ مرادِها منه ومبتغاها، هي أن تخاطبَه بلسانِ الدين، إن كان متديناً، أو بلسانِ المنطقِ إن كان لا يرى غيرَه سبيلاً تتجلى به الحقائق. فالمتدينُ لا يحتاجُ غيرَ أن تخاطبَه النفسُ بآيةٍ من القرآنِ تفسِّرُها له وبما يؤكِّد له تفوُّقَه الخَلقي على غيرِه من المخلوقات. فلمَ لا تُسمِعُه إذاً قولَ اللهِ تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِين) (75 ص)؟ ولِمَ لا تُريه ما تنطوي عليه هذه الآيةُ من معنى يؤكدُ ما تدعوه إليه؟
وهكذا ستنطلي على صاحبِنا حيلةُ النفسِ ويصدِّقُ أنه مخلوقٌ استثنائيٌّ فريد، لِمَ لا واللهُ تعالى قد خلقَه بيدِه؟ وهذا هو كلُّ ما يحتاجُه الأمرُ حتى يكفَّ صاحبُنا عن إمعانِ النظرِ في القضيةِ قيدَ الدرس؛ هذه القضيةُ التي لو أنه أولاها اهتماماً مجرداً من هوى النفس، ومن تزيينِها، لتجلَّت له الحقيقةُ القرآنيةُ التي مفادُها أنَّ اللهَ لم يختص الإنسانَ وحدَه بخلقِه له بيدِه؛ فهو تعالى خلقَ الأنعامَ بيدِه، وخلقَ من قبلِها السماءَ بيدِه أيضاً: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ) (71 يس)، (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ( (47 الذاريات).
أما صاحبُنا المنطقي، فلن تعجزَ النفسُ عن إغوائه هو الآخر، وذلك بأن تسبِّبَ لفرادتِه واستثنائيتِه بعقلِه الذي لا يضاهيه عقلٌ، وذلك بشهادةِ تسيُّدِه كوكبِ الأرض وتسلُّطِه على كلِّ ما فيه! وعندها سيكفُّ صاحبُنا عن المضيِّ قدُما في إعمالِ منطقِه ليتبيَّنَ له أنَّ الأمرَ هو ليس ما أوهمته به نفسُه. فالكونُ أكبرُ من أن يكونَ الإنسانُ سيدَه، وعقلُ الإنسانِ، بشهادةِ الذكاءِ الاصطناعي، لا يمكنُ أن يكونَ أعظمَ تجلياتِ العقلِ في الوجود

أضف تعليق