هل يُعينُنا فهمُ الطبيعةِ البشرية على تبيُّنِ هويةِ مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء قبل أبينا آدم؟

لا يحتاجُ الأمرُ منا حتى نتبيَّنَ ماهيةَ الطبيعةِ البشرية غيرَ أن نتدبَّرَ من تجلياتِها ما حوته كتبُ التاريخ، وشهدَت له وقائعُ الحاضرِ وأحداثُه بأنه حقٌّ لا تمازجُه أوهامٌ أو مبالغات، من شغفِ الإنسانِ بالحروبِ وافتتانِه بالإفسادِ في الأرضِ وسفكِ الدماء. فالإنسانُ هو الكائنُ البايولوجيُّ الوحيد الذي يتعذَّرُ عليه العيشُ دون أن ينغِّصَ على الآخرين عيشَهم تنغيصاً يبلغُ ذروةَ تجلياتِه في الحرب بصفتِها العدوانُ الظالمُ الأعظم. فالإنسانُ لا يكفُّ عن تحيُّنِ الفُرَصِ، واغتنامِها، حتى يوقِدَ ناراً للحربِ لا يرضى أن تضعَ أوزارَها قبل أن يُظهِرَ في معاركِها الكثيرَ مما جُبِلَت عليه نفسُه من ظلمٍ وجهلٍ وحماقةٍ وتهورٍ واستعلاءٍ وتكبرٍ وغيرِ ذلك مما لسنا بواجديه عند الحيوانِ الذي لا يقاتلُ إلا انصياعاً منه لِما جُبِلَ عليه من غريزةٍ تدعوه إلى المحافظةِ على كيانِه وفقاً لضوابطَ ومحدداتٍ لا تسامحَ مع أيِّ حيودٍ عنها.
وإذا ما نحن أردنا أن نتبيَّنَ أصلاً بايولوجياً لهذا “العدوانِ الخبالي” الذي يجنحُ بالإنسانِ صوبَ العدوانِ الظالمِ على أخيهِ الإنسان، فلن نفلحَ في ذلك أبداً طالما كان عالمُ الحيوان لا يُظهِرُ من تجلياتِ العدوانِ الظالمِ كما يمارسُه الإنسان ما بالإمكانِ الرجوعُ إليه والتسبيبُ به لغريزةِ الحربِ التي يتمايزُ بها الإنسانُ عن الحيوان. وإذا ما عزَّ علينا أن نتبيَّنَ أصلاً بايولوجياً لهذا الخبالِ العدواني البشري، فإنَّ بإمكانِنا أن  نفترضَ أصلاً بايولوجياً “غيرَ طبيعي” هو العلةُ التي تقفُ من وراءِ غريزةِ الحربِ هذه. وهذا الأصلُ البايولوجي “غيرُ الطبيعي” لا ينبغي أن ننظرَ إليه على أنه مجردُ ادعاءٍ ومحضُ خيال، وذلك طالما كان بين أيدينا نصٌّ قرآني يشيرُ صراحةً إلى أنَّ الأرضَ كانت تقطنُها كائناتٌ بايولوجيةٌ “غيرُ طبيعية” ظهرت قبل آدمَ أبي البشر: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30 البقرة).

أضف تعليق