
ليس بمقدورِ أحدٍ من الخلق أن يحملَ عن الإنسانِ وزرَه ويتحملَ بالتالي عنه عواقبَ خطيئتِه. فالإنسانُ قد خيَّرَه اللهُ تعالى بين طريقين لا يملكُ غيرَ أن يختارَ أحدَهما. وأشقُّ هذين الطريقين على النفس هو الأحقُّ بأن يُتَّبع. ولذلك كانت معاناةُ الإنسانِ جراءَ اتباعِه طريقَ الهدى دافعاً لانصرافِ الكثيرين عنه. ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ الإنسانَ لا ينبغي له أن يعانِيَ إذا ما شاءَ أن يتبعَ هَديَ الله. إذ لا مناصَ من هذه المعاناةِ طالما كان الإنسانُ ذا نفسٍ تأبى أن يتعبدَ صاحبُها لغيرِها. ولذلك فإنَّ كلَّ دعوةٍ دينيةٍ تزعمُ أنها تمكِّنُ الإنسانَ من الارتقاءِ الروحي من دونِ معاناة هي دعوى باطلة بحكمِ التعريف. فكيف يستقيمُ أن يرتقيَ الإنسانُ روحياً وهو مكبَّلٌ بنفسٍ لن تتيحَ له الانفكاكَ عنها إلا بشقِّ الأنفس؟
إن الارتقاءَ الروحي مشروطٌ بهذه المعاناةِ التي هي قدرُ كلِّ مَن يريدُ أن ينعتقَ من أسرِ نفسِه ويتحررَ من قيودِها وأغلالِها. ولذلك كانت هذه المعاناة هي معيارَ التفاضلِ بين المقارباتِ الدينيةِ المختلفة. فأصحُّ هذه المقاربات هو أقدرُها على أن يمكِّنَ الإنسانَ من الانعتاقِ والتحرُّرِ من أسرِ نفسِه، وذلك عبرَ انتهاجِه منهاجاً تعبدياً يتعهدُ النفسَ بالتهذيبِ والتشذيب والتربيةِ والإصلاح، وبما يتجلى على المتعبدِ تحكماً في هواه يجعلُه أكثرَ الناسِ رأفةً وتعاطفاً ورحمةً ومحبةً لفعلِ الخير وابتعاداً عن كلِّ ما تأمرُ به النفسُ من الحقدِ والحسد والبغضِ والضغينة ومقابلةِ الإساءةِ بمثلِها أو بأسوأ منها، وغيرِ ذلك من الشرورِ التي اعتورَت مسيرةَ الإنسانِ على هذه الأرض منذ بداياتِه وحتى يومِنا هذا.
