لماذا يحتاجُ الإنسانُ الدين؟

لا شيءَ كالحرب بمقدورِه أن يُظهِرَ الوجهَ الحقيقي للإنسان؛ هذا الوجهُ الذي نحرصُ كلُّنا جميعاً على أن نُبقيَه متوارياً من وراءِ حجابٍ تتنوعُ أشكالُه وتتعدَّدُ مسمياتُه بتنوُّعِ وتعددِ السياقات التي يضطرُّنا التواجدُ في خضمها لنضعَ منها ما نشاء. فالحربُ هي البرهانُ، الذي لا يضارعُه برهان، على إخفاقِ كلِّ ما اتخذناه من مناهجَ ونظمٍ خُيِّلَ إلينا أنها السبيلُ الأمثلُ للارتقاءِ بالإنسان من ماضيه المتوحشِ الهمجي إلى حاضرٍ يجعلُه كائناً متحضراً متخلقاً بأخلاقٍ ظننا أنها قد استوطنت عقلَه فلا قدرةَ له، والحالُ هذه، على أن يعودَ إلى ما كان عليه من همجيةٍ وتوحُّش. فالفظاعاتُ التي يرتكبُها البشرُ في حروبِهم تُرينا مدى ضآلةِ ما نعرف عن  حقيقةِ الإنسان. ولو أننا توهمنا أنَّ الحروبَ هي كلُّ ما هنالك من سياقاتٍ بشريةٍ بوسعِها أن تُظهِرَ الوجهَ الحقيقي للإنسان، فإنَّ نظرةً واحدةً إلى ما يسبقُ الحروبَ ويعقبُها من وقائعَ وأحداث كفيلةٌ بتبيانِ ما نحن عليه من جهلٍ مطبق بالإنسانِ الذي لا نزال نسمع لأنصارِ البايولوجيا التطورية مَن يعتقد جازماً بأنَّ البشرَ هم أبناءُ الطبيعةِ البارُّون بها وبنباتِها وحيوانِها وبيئتِها.
إنَّ ما تقدم بيانُه أمرٌ لابد منه إذا ما أردنا أن نجيبَ على سؤال “لماذا يحتاجُ الإنسانُ الدين؟”. فإذا كانت مقارباتُنا الوضعية قد أخفقت في تشخيصِ العلةِ التي تجعلُ الإنسانَ كائناً ملتاثاً إلى هذه الدرجةِ التي تَبيَّن لنا أعلاه شيءٌ يسيرٌ منها، فإنَّ الدينَ في المقابل قد أرانا ما هو كفيلٌ بجعلِنا نتبيَّنُ السببَ من وراءِ حاجةِ الإنسانِ إليه. فلقد أثبتت لنا أحداثُ التاريخ، وبيَّنت لنا وقائعُ الحاضر، أنَّ الإنسانَ إذا ما تديَّنَ بالدين التديُّنَ الحق فإنه يصبح إنساناً غيرَ الذي نعرف. وهذه العبارةُ مشروطةٌ بشرطِ “التديُّن الحق بالدين”، فإن أخفقَ الإنسانُ في التقيُّدِ بما يوجبُه عليه هذا التديُّنُ الحق، فإن النتيجةَ الوحيدة التي ستؤولُ إليها الأمور هي هذا الذي لا نملكُ غير أن نُقِرَّ به من أنَّ الغالبيةَ العظمى من حروبِ البشر هي حروبٌ “دينية” في المقامِ الأول. فالغالبيةُ العظمى من حروبِ البشرِ فيما بينهم ما كانت لتنشبَ لو أنَّ مَن شاركَ فيها كان متديناً بالدين التدينَ الحق الذي يُجرِّم ويحرِّم القتلَ بالمعنى الذي مارسَه الإنسان في السوادِ الأعظمِ مما يُسمى بـ “الحروبِ الدينية”.

أضف تعليق