
نقرأ في سورةِ هود، وفي الآيةِ الكريمة 87 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).
مرةً أخرى يفاجئنا الإنسانُ بتناقضاتِه التي لا يبدو أنها ستفارقُه يوماً من بعدِ ملازمتِها له منذ بداياتِ شروعِه بإيثارِ الإصغاءِ لما تأمرُ به النفسُ ويزيِّنُه الهوى على ما يدعوه إليه الحق ويوجبُه من ضرورةِ ألا يحيدَ عن صراطِه المستقيم.
فها هم أولاء قومُ سيدِنا شعيب ينكرون عليه مطالباتِه لهم بالكفِّ عن عبادةِ آلهةٍ لا تضرُّ ولا تنفع، وعن بخسِ الناسِ أشياءهم، وعن أخذِهم الربا، بحجةٍ مفادها أنه هو “الحليمُ الرشيد” الذي لا يجدرُ أن تصدرَ عنه هكذا مطالباتٌ تفتقرُ إلى المنطقِ السليم. فإذا كان القومُ يقرُّون لسيدِنا شعيب بأنه هو “الحليم الرشيد”، فكيف يطالبونه بما يتناقضُ مع ما ينطوي عليه معنى كلاً من “الحليم” و”الرشيد”؟
يذكرنا هذا التناقض بما ليس باليسيرِ إحصاؤه من جملةِ التناقضات التي لا يكفُّ ماضي الإنسانِ وحاضرُه عن مفاجأتِنا بها، وهي تناقضاتٌ إن دلَّت فإنما تدلُّ على أنَّ العقلَ، الذي يتوهمُ الكثيرون أنه ما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان، لا يملكُ ما يجعلُ الإنسانَ ينصاعُ لحكمِه طالما كان ذلك يخالفُ ما تأمرُ به النفسُ ويزيِّنُه الهوى. وهذا أمرٌ نخطئُ إن نحن توهمنا أنه مقصورٌ على منحى من مناحي المعرفةِ البشريةِ دون غيرِه؛ فساحاتُ العِلمِ تشهدُ لتمكُّنِ هذا التناقضِ من الإنسان وإلى الحدِّ الذي يجعلُه لا يرى ما يحولُ، أخلاقياً وقِيَمياً، دون أن يسخَّرَ العلمُ لخدمةِ سلطةٍ غاشمةٍ لن يثنيَها عن المضي قدماً في أمضاءِ إرادتِها شيءٌ وإن اقتضى ذلك أن يُصارَ إلى إبادةِ مدنٍ بأكملِها.
