من عجيبِ ما انفردت به شخصيةُ أبينا إبراهيم

يُجلِّي لنا تدبُّرُ أوصافِ أبينا إبراهيم، كما فصَّلها ما وردَ بشأنِه في قرآنِ اللهِ العظيم، ما اشتملت عليه شخصيتُه من الرحمةِ والعطفِ والحنان. لنتدبَّر الآية الكريمةِ 125 من سورةِ البقرة: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين). فلقد أرادَ سيدُنا إبراهيم أن ينالَ عهدُ اللهِ تعالى ذريتَه كلهم أجمعين دونما استثناء، غير أنَّ اللهَ تعالى استثنى من وعدِه لسيدِنا إبراهيم الظالمين من ذريتِه. وهذا استثناءٌ ما كان ليردَ على لسانِ سيدِنا إبراهيم الذي كان أرأفَ الناسِ بالناس، فما بالُك بمَن هم ذريته؟
وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه في الآيتَين الكريمتَين 35- 36 من سورةِ إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فسيدُنا إبراهيم دعا اللهَ أن يغفرَ ويرحمَ العاصين من ذريتِه من دونِ أن يُوكِلَ أمرَهم إليه تعالى.
لنقارن هذا الموقف الممتلئ حناناً ورحمة بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ دعاءٍ آخر فصَّلته لنا سورةُ المائدة في الآياتِ الكريمة 116- 118 منها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ شخصيةَ سيدِنا إبراهيم قد اشتملت على شيءٍ من الحنانِ والرحمة يندرُ أن نرى ما يناظرُه عند غيرِه من الأنبياء. ويحقُّ لنا أن نعجبَ لهذه الشخصيةِ الفريدة التي ما زادَها ظلمُ الناسِ لصاحبِها إلا تعاطفاً وحناناً ورحمة. فسيدُنا إبراهيم هو الذي ألقى به قومُه في النار، وهو مَن قاموا بنفيِه من بعدِ أن نجاهُ اللهُ منها.

أضف تعليق