التجربةُ الدينية فرضُ عينٍ لا فرضَ كفاية

يكفلُ لنا تدبُّرُ الظاهرةِ الدينية، كما تجلَّت في ماضي الإنسانِ وحاضرِه، أن نخلصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ الإنسانَ يؤثِرُ على الدوام الاكتفاءَ بأقلِّ قدرٍ من الممارسةِ الدينيةِ الفردية، وأنَّه يفضِّلُ أن يعبِّرَ عن تديُّنِه من خلالِ سياقٍ جماعي، أو مجتمعي، يراه أكثرَ قدرةً على جعلِه يتماهى مع ما يتوهمُ أنه جوهرُ الدين، كائناً ما كان هذا الدين بدائياً أم موغلاً في التعقيدِ البنيوي والوظيفي. ولقد جرَّ ذلك على الإنسانيةِ جمعاء ما جعلَ الدينَ يُهجَر، وذلك مقابل أنماطٍ من التديُّن ليس باليسيرِ إحصاءُ تجلياتِها وتنويعاتِها. وهذا إن دلَّ، فإنما يدلُّ على إصرارِ الإنسانِ على ابتداعِ دينِه الخاصِّ به عوضَ الالتزامِ بما جاءه به الدينُ من نظامٍ قائمٍ على مطالبتِه بوجوبِ أن يعملَ على تنظيمِ حياتِه وفقاً لما يقضي به.
ومن أبرزِ أوجهِ انصرافِ الإنسان عن التديُّنِ وفقاً لما جاء به الدين، هو هذا الاعتقادُ الراسخ بأنَّ الدينَ لا يطالبُه بأن تكونَ له تجربةٌ دينيةٌ خاصةٌ به بعيداً عن مشاركتِه غيرِه من المتدينين بهذا الدين تجربةً جماعيةً يتوهمُ أنها تكفيه مصاعبَ ومشاق التجربةِ الدينيةِ الذاتية. وهنا لابد وأن نستذكرَ وجهاً آخرَ من أوجهِ هذا الانصراف يتجلَّى في تبنِّي الإنسانِ لِما أشاعَه التديُّنُ الجماهيري من تصورٍ لحقيقةِ الدين هو في  حقيقةِ الأمر يتعارضُ مع كلِّ ما جاءَ به الدين. وهذا الوجه هو الأكثرُ شيوعاً بين أوساطِ المتدينين الذين لم يتبيَّن واحدُهم أنَّ التديُّنَ الحق يوجبُ عليه ألا يتهربَ مما تنطوي عليه التجربةُ الدينيةُ الذاتية من عظيمِ معاناة. فلا أحدَ سواه بمقدورِه أن يتحملَ عناءَ هذه التجربة، وليس بوسعِ أحدٍ غيرِه أن يكفيَه خوضَ غمارِها. فالتجربةُ الدينيةُ فرضُ عينٍ يتعيَّنُ على كلِّ متديِّنٍ أن يكابدَ مشاقَّها وحدَه.
وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا( (95 مريم). وهو عينُ ما فصَّلته الآياتُ الكريمة 39- 41 من سورةِ النجم: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى).

أضف تعليق