
تبحثُ هذه المقالةُ في “الغيب” كما عرَّفَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم. فالغيبُ هو كلُّ ما شاءَ اللهُ تعالى أن يُغيِّبَه عن إحاطةِ وإدراكِ مَن يشاءُ من خلقِه. فاللهُ تعالى، إن شاء، أسدلَ على ما يشاء حجاباً فلا قدرةَ بعدها لمخلوقٍ على أن يتبيَّنَ ما يكمنُ وراءه. وهذا الحجابُ قد يجعلُه اللهُ تعالى سِتراً أو غشاوةً أو سداً أو حاجزاً ما أن يُسلِّطه على مشهدٍ ما تسيَّدَه، حتى يتحوَّل ما كان قبلَه مشهوداً ليصبحَ مغيباً. ومن ذلك السدُّ الذي جعلَه اللهُ من بين أيدي كفارِ قريش ومن خلفِهم فحالَ ذلك دون أن يبصروا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وهو يغادرُ بيتَه في مكةَ المكرمة وهو يخطو خطواتِه الأولى في هجرتِه المباركة إلى يثرب: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون) (9 يس).
ومن ذلك أيضاً السِّترُ الذي ألقاه اللهُ تعالى على سيدِنا سليمان فحالَ به دون أن يتمكَّنَ الجنُّ من أن يتبيَّنوا أنه لم يعُد حياً يُرزق. فبين سيدنا سليمان والجن كان هناك عهدٌ يلزمهم بخدمتِه والإذعانِ لأمرِه حتى يتوفاه الله. ولقد أرادَ اللهُ تعالى أن يُبيِّنَ للجن أنهم، وعلى الضدِّ مما كانوا يتوهمون ويوهمون به شركاءهم من الإنس، لا يعلمون الغيبَ، وإلا لكانوا قد تبيَّنوا مفارقةَ سيدِنا سليمان للحياة، ولَما لبثوا في العذابِ المهين أرِقَّاء خادمين: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (14 سورة سبأ).
فالسِّترُ الذي كان اللهُ تعالى قد ألقاه على سيدِنا سليمان، والذي حالَ دون أن تتبيَّنَ الجِنُّ أيَّ شيءٍ بشأنِه عليه السلام، قد رُفِعَ عنه ما أن خرَّ بعد أن نالت دابةُ الأرضِ من عصاه التي كان يتوكأُ عليها، فتبيَّنت الجنُّ عندها ألا موجبَ بعدها لبقائهم في خدمتِه.
فاللهُ تعالى خاطبَ في الآيةِ الكريمة 14 من سورةِ سبأ أعلاه أولياءَ الجِنِّ من الإنس، الذين كانوا يعوذون برجالٍ من الجن علَّهم ينبئونهم بشيءٍ من الغيب، بما بيَّنته هذه الآيةُ الكريمة من ألا أحدَ يعلمُ الغيبَ إلا الله: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (من 65 النمل).
