
يتوهمُ الإنسانُ أنه كيانٌ ذو إرادةٍ مستقلة. فللإنسانِ إرادةٌ تشاركُها إراداتٌ أخرى كينونتَه هذه. وهذه الإرادات تتصارعُ فيما بينها أيها يكون له الغلبة فتنصاعُ لها إرادةُ الإنسانِ وتتماهى معها وإلى الحدِّ الذي لا تبقى للإنسانِ بعده إرادةٌ مستقلةٌ على الإطلاق. وأكثرُ هذه الإراداتِ قدرةً على التصارعِ مع غيرِها من الإرادات هي الإرادةُ التي توارثها الإنسانُ عن ماضيه الحيواني. فالحيوانُ، مقارنةً بالإنسان، موحَّدُ الإرادة فلا تصارعَ بين الإراداتِ التي تتشكَّلُ منها إرادتُه الموحدةُ هذه. فهذه الإراداتُ لا تبتغي غيرَ أن يكونَ الحيوانُ في أحسنِ حالٍ من الأهليةِ ليؤدي دورَه خدمةً للنوع، وهذا ما لا نجده عند الإنسانِ الذي لم يقدَّر له أن يكونَ ذا إرادةٍ موحدة، فكانت الإرادةُ التي ورثها عن ماضيه الحيواني لا تملكُ ما يمكِّنُها من أن تنفردَ بإرادتِه فتجعلَها طوعَ أمرِها. فللإنسانِ إرادةٌ ذاتية تتصادمُ في كثيرٍ من الأحيان مع هذه الإرادةِ الموروثةِ من ماضٍ حيواني موغلٍ في القِدم. وتصادمُ الإراداتِ هذا هو ليس التصادمَ الوحيد؛ فإرادةُ الإنسانِ الذاتية تتصادمُ معها على الدوام إرادةٌ غيرُ بشريةٍ هي الأخرى تتمثلُ في إرادةِ الشيطانِ الذي أقسمَ بعزةِ الله ألا يكونَ له شغلٌ شاغل غيرَ إغواءِ الإنسان، وذلك بجعلِه يتنازلُ له عن إرادتِه الذاتية. وإذا كان هذا لا يكفي الإنسانَ فوضى إراداتٍ متصارعة، فإنَّ “للآخرين” إرادةً تسعى لتطويعِ إرادتِه الذاتية ليتنازلَ بذلك عن حريتِه بتنازلِه لها عن إرادتِه.
وبعد هذا كله يتوهمُ الإنسان أنَّ بوسعِه أن يعيشَ حياتَه كما يحلو له، بإرادةٍ ذاتيةٍ مستقلةٍ عن هذه الإراداتِ المتصارعةِ فيما بينها عليه!
